بين حلم ليلة ربيع بحل “القوات” وحلم إبليس بجنة إلغائها

حجم الخط

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1739

ليس كالديكتاتوريات الصريحة أو المقنّعة، مهارةً وشطارةً  في حلِّ الأحزاب التي تزعج صفاء هيمنتها وتؤرّق رموزها. فالثورة المصرية، والتي عُرفت بثورة الضباط الأحرار في العام 1952، بشَّرت بالتخلّص من سطوة النظام الملكي وإرساء حكم إشتراكي يمثِّل تطلعات الشعب، لكن أول ما أقدمت عليه كان حل الأحزاب في 16 كانون الثاني 1952، وبالتالي إلغاء الديموقراطية والحريات، ومن بين تلك الأحزاب، أحزاب وطنية مشهود لها بالنضال  في مواجهة الإنكليز وفي مواجهة النظام الملكي أحياناً، على غرار الحزب الوطني الذي أسَّسه مصطفى كامل وحزب الوفد وحزب الأمة. وتم إرساء سيطرة الحزب الواحد المتمثل بالاتحاد الاشتراكي وصولا إلى أواسط السبعينات، مع بداية ظهور تنوّع حزبي خجول ومضبوط.

أما في سوريا، فقد ازدهرت الحياة الحزبية منذ الاستقلال وحتى تاريخ إعلان الوحدة مع مصر في العام 1958 حين أمر الرئيس جمال عبد الناصر بحل الأحزاب كلها، لتعود الحياة الحزبية بعد الانفصال، ولكن ليس لفترة طويلة، إذ ألغى حزب البعث لدى تسلمه السلطة في العام 1963 الأحزاب بشكل شبه تام، الى أن أحكم حافظ الأسد قبضته على الحكم في العام 1970 تحت شعار الحركة التصحيحية، فقضى على مختلف الأطياف السياسية وحتى القريبة من البعث، ودجّن بعضها في إطار الجبهة الوطنية التقدمية، وهي جبهة صورية لتغطية النظام وديكتاتوريته.

إن إيراد المثلين آنفا هو للتأكيد على أن حل الأحزاب بالجملة يتم في العادة من قبل أنظمة شمولية تسعى لإرساء حكم الحزب الواحد، أما حلُّ حزب كحزب “القوات اللبنانية” من دون سواه، ومن قبل سلطة تدّعي العمل في إطار نظام ديموقراطي تعددي، فهو ما يمكن تصنيفه في أعلى مراتب النفاق، لأن من حلَّ حزب “القوات” في حينه بحجة تهديده السلم الأهلي والوحدة الوطنية والتعامل مع العدو الصهيوني، هو النظام السوري الذي كان يفرض وصايته على لبنان ويتصرّف على قاعدة أنه أقرب إلى محافظة سورية بواجهة مختلفة.

في ذاك الأربعاء 23 آذار 1994، وقبل نحو شهر على اعتقال رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع في 21 نيسان، عاد رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري من دمشق حاملاً معه قرار حل الحزب ووقف الأخبار والبرامج السياسية في وسائل الإعلام، لقمع كل تغطية ومواكبة إعلامية. كنت في حينها مدير الأخبار في إذاعة لبنان الحر التي كان يجمعها هولدينغ فضفاض نسبيا مع المؤسسة اللبنانية للإرسال ومجلة “المسيرة” وراديو 102، وقد هممتُ في المغادرة لتناول الغداء على أن أعود إلى مكتبي بعد حين، فإذ بي ألتقي عند أسفل الدرج برئيس مجلس إدارة المؤسسة اللبنانية للإرسال بيار الضاهر، والذي كان مشرفاً على الهولدينغ بتكليف من رئيس الحزب، ليقول لي بعد التحية، “لوين رايح، طلاع معي عند المدير العام للإذاعة، القصة كبيرة»، ليبلّغنا على عجل بأن القرار اتُخذ وسيصدر عن مجلس الوزراء في العشية، و»شوفوا من هلق وطالع كيف بدكن تدبروا حالكن”.

وأطل وزير الإعلام ميشال سماحة بسحنته الصفراء وعباراته المطاطة الثقيلة، ليعلن قرار الحل وتعطيل الأخبار والبرامج السياسية متهماً “القوات”، “بالشرب من الينبوع الإسرائيلي”.

يومها، كانت المعادلة كالتالي: السياسة والأمن للنظام السوري، والمال والاقتصاد للرئيس الحريري، من دون إلغاء التداخل بين هذا وذاك، وكان لا بد لرئيس الحكومة أن ينصاع تحت طائلة تعطيل مشروعه الإعماري والاقتصادي، وهو الذي دفع الثمن لاحقاً باغتياله بعدما جاهر باعتراضه على شروط الوصاية.

وفي تلك الحكومة كان نائب الرئيس ميشال المر الذي ضُمَّ ملف محاولة اغتياله الى الملفات التي ألصقت بسمير جعجع، فضلاً عن وليد جنبلاط ومروان حمادة الذي كان لاحقاً بدوره أول ضحايا مسلسل استهداف قادة إنتفاضة الاستقلال، بعد التمديد للرئيس إميل لحود على خلفية الكباش حول القرار 1559. أما حلفاء سوريا مجتمعين فكانوا الأغلبية في تلك الحكومة، وفي مقدمهم مرشح “حزب الله” لرئاسة الجمهورية راهناً سليمان فرنجية.

ولسخرية القدر أو لغريب الصدف، أن يصبح الحجر الذي رذله البناؤون هو حجر الزاوية، فالحزب المُضطهد والمُلاحق في حينه، هو اليوم رأس حربة المواجهة مع التركيبة السلطوية نفسها ولو تبدلت واجهة الوصاية.

لقد خافوا آنذاك من قدرة “القوات” ورئيسها على عرقلة السعي لاستكمال الهيمنة السورية على القرار اللبناني، وأرادوا تفخيخ المسار التطبيقي لاتفاق الطائف بهدف تأخير مفاعيله، وصولاً إلى شلِّها لجهة الانسحاب السوري المبرمج من لبنان، فصمد سمير جعجع في معتقله، وشكّل المنزل في يسوع الملك مع الزوجة المتروكة لقدرها وضُمَّة من الرفاق، رمزاً لصمود بدا خجولاً في الصورة، لكنه كان شديد التعبير مضموناً، إلى جانب مآثر نضالية لكوادر وشابات وشبان وطلاب عانوا الأمرين وما استكانوا. فحلُّ الحزب حلّ عليهم كصاعقة لم تقتلهم بل أحيت فيهم جذوة المقاومة، ولم تمنع التواقيع على التعهدات بالإقلاع عن أي نشاط سياسي من الاستمرار بقوة شكيمة أكبر في السر.

ولا يُخفى أن قرار حل حزب “القوات” شكَّل في موازاة اعتقال رئيسه، العمادة الثانية بالروح، بعد العمادة الأولى بالنار لقوافل المناضلين والشهداء خلال الحرب. فقد فشل النظام الأمني المشترك في خنق شعلة المقاومة المضطرمة في نفوس المناضلين، على الرغم من التنكيل والرسائل السود اغتيالا وخطفاً وتعذيباً حتى الموت، فحلُّ “القوات” على الورق شيء، وحضورها على الأرض، ولو كانت الأرض محروقة أو مفخخة، شيء آخر.

على أن الترهيب والترغيب والابتزاز وإغراء الواجهة، عوامل دفعت قلة قليلة من الرفاق السابقين من قليلي الإيمان إلى السعي لتأسيس حزب جديد بغطاء من الأجهزة الطيبة الذكر، وبلغ بهم الأمر حد محاولة وضع اليد على إذاعة لبنان الحر، لكن تلك المساعي سقطت تباعاً وانكفأت بعد انكشاف هشاشتها.

اليوم، قد يعنُّ على بال البعض أو قد يتمنى حلّ حزب “القوات اللبنانية” وإعادتها إلى القمقم، ورئيسها الى السجن، لكن هذه النوايا الخبيثة سرعان ما تأكد أصحابها أنها أقرب إلى ضروب من الخيال، وهذا ما أظهرته حقيقة الأهداف الكامنة وراء الغزوة الغادرة والخائبة لعين الرمانة، والتي جعلت السيد حسن نصرالله يخصص أكثر من ساعة ليحمّل على “القوات” ورئيسها ويهدد بمئة ألف مقاتل، وكأنه يريد الجمع بين حلم إبليس الوصاية بحل الحزب، وبين وهم دونكيشوت بعبدا (النسخة الأولى) بإلغاء “القوات اللبنانية” بالقوة.

أنطوان مراد ـ مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل