
من كتاب Burden Of Trust – بتصرّف
29 عاماً… أرادوا يومها تفجير الوجود المسيحي الحر، وجعل “القوات اللبنانية” حزب الإرهاب والقتل وتفجير الكنائس، فتفجّرت فيهم الحقيقة الفاقعة.
“القوات اللبنانية” حزب الشرف والرجال الشجعان والحقيقة والمقاومة والنضال. حزب لا يقتل بل يقاوم كي لا يُقتل الوطن، فيجعل من نفسه مقاوماً لأجل الحرية ولأجل وطن لا يستحق الا الحياة. 21 نيسان 1994… 21 نيسان 2023، “القوات اللبنانية” حرّة في كل زمان ومكان.
موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، يعيد الذاكرة الى الذكرى الـ29 لاعتقال رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، بقصص ومقالات وشهادات.
عضو المجلس المركزي في “القوات اللبنانية” بيار جبّور يتحدث عن اعتقاله.
قرابة المساء وضعوني في آلية عسكرية، أغمضوا عيني وكبّلوا يديّ ونقلوني الى وزارة الدفاع، وهناك أخذوني الى مقرّ الاستخبارات، وما إن سلمني الخفير الى المؤهل المسؤول عن السجن حتى سألني عن اسمي ورتبتي في “القوات اللبنانية” وما إذا كنت بحاجة الى طبيب. “اسمي بيار جبور، وفي بطاقة هويتي أدعى بطرس وهو الاسم العربي المرادف لبيار، أما رتبتي فنقيب في تراتبية القوات اللبنانية”، أجبته.
أنزلني عبر درج الى الطابق الثالث تحت الارض. كنت أسمع فتح وإغلاق البوابات الحديدية للسجن، وهو أسلوب يُعتمد للتأثير المعنوي على المساجين. لم يرهبني كلّ ذلك، ولم يهدّ من عزيمتي، بل مضيت قدماً نحو جلجلة حديثة، كما مضى كلّ رفاقي كذلك. وما إن وصلت الى “الثالث”، حتى طلبت من العسكري أن يقودني لأنني لم أعد أرى شيئاً، إلا أنني كنت أستعين بالصوت، وهي أمور استعملناها في فرقة الصدم، لا سيما في الغطس، حيث كنا نضع نايلون أسود على الناضور، ونتنقل متّكلين على حاسة السمع.
هكذا كنت أتجنّب الجدران وحديد الأبواب الموضوع في الأرض من خلال وقع أقدام العسكريين.
قبل دخولي الى السجن، وفي الطابق الأول، نزعوا حزامي وشريط حذائي، وأخذوا الأموال التي بحوزتي، ووضعوهم في صندوق الأمانات. طلبت من العسكري الذي يقودني أن أدخل الحمام، فأُدخلت وسط الزنزانات. هناك رأيت رجلاً على الأرض، القسم العلوي من جسمه عارياً وآثار السياط بادية على جسده. سألني ما إذا كنت أعرفه، وحين أجبته بـ”نعم”، هزّ برأسه وقال، “حسناً لقد رأيت الوضع هنا، وأصبحت تعرف واجباتك تجاهنا”. لم أجب بكلمة، وقلت في نفسي، “نعم أعرف واجباتي تجاه القضية التي آمنت بها والتي استشهد في سبيلها الألاف، وأنت مع المسؤولين عنك، لم ولن تخيفوني”.
أعاد تكبيل يديّ وتكميم عينيّ، وأوقفني ووجهي نحو الحائط. تفحّصت المكان جيداً حيث كنت أرى شيئاً قليلاً من الرباط، لكنني عرفت أن حواليّ على الاقل 10 أشخاص، ومن الطبيعي أن يكونوا من “القوات اللبنانية”.
فجأة بدأت أسمع أصوات الأنين والتعذيب وصراخ الرفاق، وكنت أتعرّف إليهم من أصواتهم. من كان الى جانبي صرخ صراخاً مرعباً. تعرضت لذات الوقع لكنني سيطرت على نفسي ولم أصرخ حتى لا أريهم ضعفي، ما استفزّهم أكثر، فكانت النتيجة أننا صعقنا جميعاً بالكهرباء، بطاقة، قد تنهي حياتنا. بعض الرفاق زادوا الصراخ لمنح أنفسهم قليلاً من الراحة، بحيث يعتقد الشيطان البشري – وهو أداة بيد النظام الأمني اللبناني – السوري ـ أنهم يتألمون كثيراً.
ولأني كنت نزيلاً جديداً، لا أعرف قواعد اللعبة بعد، بقيت في الفترة الأولى محتفظاً بعنفواني الذي دفعت بسببه المزيد من التعذيب والتنكيل، لكن، ما إن دخلت في لعبتهم حتى بدأت أتصرف كما كلّ الرفاق، لتخفيف العذاب الجسدي والمعنوي، إذ ما يُمارس عليك، يجردّك من إنسانيتك فتصبح كائناً بشرياً بيولوجياً فقط.
… نادى المحقق “عطية” وقال للعسكري، أدخل الجبور، فوجدت نفسي في غرفة يجلس فيها محقق وكاتب، وثلاثة عسكريين مهمتهم الضرب والركل عندما لا تتجاوب مع التحقيق.
كررّ المحقق الأسئلة ذاتها، مستفسراً عن صفتي العسكرية السابقة، بعد ذلك، توالت الأسئلة عن زوجتي وما إذا كانت في “القوات”، وعن أهلي وأخوتي وأخواتي وعناوينهم وأماكن سكنهم.
في هذه المرحلة، استعملت الطريقة الاستخباراتية في التحقيق، ورحت أبتسم حتى أفقدت المحقق السيطرة على نفسه، وأوحيت إليه بأنني غير مهتم به وبأسئلته وبتعذيبه. جن جنونه، فما كان من العسكري إلا أن انهال عليَّ بالضرب كما أمر، وبتّ لا أعرف من أين تأتيني الضربات، بعدها خلعوا حذائي وقاموا بتثبيت رجليَّ، مستعملين عصاً غليظة لضربي (الفلق)، حتى انهرت من الألم.
لم تكن أسئلة المحققين تتمحور حول كنيسة سيدة النجاة، وهي التهمة التي حاولوا إلباسنا إياها، بل عن الحرب، ومقاومتنا، وتنظيمنا العسكري بهدف الوصول الى الدكتور سمير جعجع.
قلت للمحقق بعد إفادتي الأولية، “عندما أرادوا أن يضعوا السكين على رقابنا دافعنا عن وجودنا، يومها انكفأ الجميع عن القيام بمهامه”. خرج الرجل الأمني ـ القضائي عن السيطرة على نفسه… “انت موقوف لدينا وتحاول أن تتطاول علينا”؟!…