
بقلم: الدكتور جورج شبلي
عندما يَروي أحدُ العناجهةِ عن لبنان، في زمنِ جهنّمَ الجميل، نشعرُ بأنّ الوطنَ نهضَ من الحضيضِ، أو عادَ من الموتِ سالِماً، فهو، أي العَنجهيّ، يقفُ موقفَ المُهَنِّئِ دابِغاً جِلْدَ كلامِهِ ليبدوَ كبناتِ الملوك، جامِعاً الفطنةَ مع ظَرفِ الأَلحاظ، وكأنّهُ يرسمُ النَّطقَ بلغةِ الماءِ قبلَ أن تُدركَهُ المُلوحة. ويتابعُ العنجهيُّ شهوتَهُ الى الثَّناء، فيستمطرُ الحَمدَ والشّكرانَ لواحِدي زمانِهم الذين، لولاهم، لَما بقيَ من الوطنِ شيء، فإِقدامُهم، وبسالتُهم، لَذَّعا أعداءَ لبنان، وكان للخَوفِ في قلوبِ هؤلاءِ نَصيب.
ما لَفَتَني، في قَدِّ كلامِ العنجهيِّ، هوميروسيَّتُهُ التي رسمَت واحِدي زمانِهم بأسلوبٍ مَلحميٍّ، وكأنّهم أبطالٌ أسطوريّون يأتون أفعالاً خارقةً لا تُنسَبُ إلّا لِأَشباهِ الآلهة. ورأيتُ، من واجبي النَّقديّ، أن أتفقَّدَ هذا الإفتتاحَ الذي جعلَ واحِدين من البشرِ نُزَلاءَ التفوّقِ، وعلى تَتابُعِ الأجيال، فلم يَعودوا أثراً في الزَّمن، بِقَدرِ ما أصبحوا مَزاراً وطنيّاً، بل قوميّا، واستطاعوا أن ينتشلوا جَبهةَ الأمّةِ، بأسرِها، من استطابةِ التّراب، فَلَو لم يفعلوا “لَأَكلَتِ الثَّعابينُ أهلَ مصر” كما قالَ ” الثَّعالبيّ “، من زمان.
وبعد، لم أتعَفَّفْ في مراجعةِ أحوالِ وطنِنا الذي خُطِفَت منه الشّمس، في زمنِهم “الجميل”، ومَشى على الشّوك، وكَرَّت دموعُهُ بِلا حساب، وانتقلَ، في عافيتِهِ، من القراءةِ المُشَكَّلَةِ الى التَّهجئة، وتَغَرَّبَ عن رائحةِ الأيامِ السّالفةِ المُتوهِّجةِ فرحاً، وحريّةً، وعَملَقَة. فبعدَ أن كانتِ الدّنيا تمشي خلفَ لبنان، وهو المرفأُ الفينيقيُّ الذي لا يُطوى له شِراع، ويتحاسدُ في التَّسابفِ إليهِ القريبُ والبعيد، غطّاهُ رَمادُ زمنِهم “الجميل” وكأنّه رَميم، فأُجبِرنا على التَيَقُّنِ، وبالرَّغمِ مِنّا، بأنّ هذا الوطنَ لم يُنذَرْ إلّا للتَّلاشي، كما رَوَّجَ، آنِفاً، خِصابُ الهَلّات.
وإذا عُدنا الى المدحِ الإنبطاحيّ، وهو أَقتَلُ الخطايا في عدمِ تَذَكُّرِ الكرامة، فالمادِحُ، هذا، يُشبِهُ السّاذجَ الذي يرمي حَجَراً ولا يهتمُّ إلّا بالمدى الذي يبلغُهُ، أو يُشبِهُ شعراءَ الظلِّ الذين يستثمرونَ كلَّ ما لديهم من حِياكةٍ ضجيجيّةٍ للتَّقريظِ والتَّفخيم، وكأنّهم لا يَعلَمون بأنّ ما يُهرِقونَه من إسفافٍ وحَشوٍ لن ينعَجِقَ به ذَوو العقل، فليسَ به أَدعيةٌ تُسمَعُ ولا عِلمٌ يَنفع. وكان الأَفيَدُ لهذا العنجهيِّ أن ينخرطَ في جوقِ قَوّالين، ولا أقولُ شعراءَ زَجَل، حتى لا أُنَزِّلَ من قَدْرِهم، فلَربَّما انخراطُهُ يُخَفِّفُ عن النّاسِ بعضَ كُربةِ الأيام، وإِنْ بهَزْلِهِ الباهت.
أمّا واحدو زمانِهم، الذين يتولَّونَ حيثيّةً عُنفيّةً في بَلَدٍ مُتهالِك، فمن الطبيعيِّ ألّا تكونَ رفاهيّةُ الفرح، في زمنِهم “الجميل”، هي المُستَوليةَ على قلوبِ النّاسِ، والأَكثرَ تأثيراً في أيّامهم. وإذا رُفِعَتِ السّتارةُ عن زمنِهم، هذا، لَبانَ ما يختفي وراءَها من عُيوب، ومن أداءاتٍ محفوفةٍ بالألغام، ومن انكشافٍ فاضحٍ لمؤامراتٍ فتّاكة، ومن إخضاعٍ للقهر، ومن سَطوِ على الحريّات، ليبدوَ الوطنُ مملوكاً، لا كفالةَ له مع الخبزِ ” الطّاهر “، ولا يحوزُ على حقِّ الفُرقةِ بين السّيادةِ والإرتهان…
وإذا كان هذا، بالذّات، هو زمنَهم “الجميلَ” الذي يُجبَرُ الوطنُ على هَضْمِه، والمَشيِ على أسلاكِهِ الشّائكة، فإنّنا لا نعتبرُ زمنَهم ضَرَراً جانبيّاً في ظلِّ إطارٍ مُلتبِسٍ لمفهومِ الوطن، بِقَدرِ ما نرى فيه غَزوةً لتَصغيرِ تاريخِ لبنان، ولفَكِّ ارتباطِهِ بزادِ الحضارة، وتَكليسِ دورِهِ بريادةِ الحريّةِ والحقوق، وزَجِّهِ في حالةٍ انزوائيّةٍ تُمَهِّدُ لظروفِ مصادرةِ كيانِهِ والهويّة. وما ترويجُ شعاراتِ المُتَّحَدِ الوطنيّ، والشَّراكةِ الواعية، والوطنِ لجميعِ أبنائِه، سوى غطاءٍ لسيطرةٍ طارئة، ولهيمنةٍ رهنَتِ البلادَ لجهنَّم، ولمسرحِ عملٍ مُنَظِّمٍ لثوابتَ إيديولوجيّةٍ تُدَفِّعُ لبنانَ أكلافاً باهظةً على مستوى وجودِهِ الحُرّ، وجذورِه التاريخيّة، وتَمَيُّزِ أهلِهِ، وحيويّةِ مقدّراتِه، ليقبلَ الإستجارةَ بِمَنْ وراءَ الحدود، يتلوّنُ بألوانِهم، ويرتدي مزاجاتِهم، ويهلِّلُ لوصايتِهم، ويشقُّ طريقَه، بهم ومعهم، الى انعزالٍ عن العَصرَنةِ والنّهضة والتقدّم.
إنّ زمنَ لبنانَ الجميل، أو زمنَ نضارةِ الحياة، أو زمنَ اختراقِ مَحافِلِ العلومِ والفنونِ والفِكر، أو زمنَ تَحوُّلِ الوطنِ جسراً بين أسرارِ المعارفِ واليقظةِ العقليّة، أو زمنَ الإحتكاكِ بالتياراتِ الثقافيّةِ الكونيّة، أو زمنَ الإطّلاعِ على آثارِ الشُّعوبِ وناتِجِ الحضاراتِ وصَفوةِ المدنيّات، أو زمنَ الإدهاشاتِ في الشِّعرِ والموسيقى والرَّسم، هو، بالذّات، الزمنُ الحقيقيُّ الجميل الذي أَنِسنا إليه، ونأنسُ، أمّا النُّفورُ من الدّخولِ في أروقةِ الحداثةِ، وتحتَ رايةِ الرقيّ، للتَقَوقُعِ في سراديبِ الإنحطاط، ولِتَبَنّي ثقافةِ الموتِ، فليس سوى شاهِدٍ على الجهلِ، والضلال، والقَحط، والعَتمِ، وتأصيلِ التخلّف، وما ذلك إلّا المحنةُ الكبرى التي لن نرتضيَها.
لبنانُ، في زمنِهِ الجميل، كان زينةً مُطَرَّزَةً باسمِهِ لم يُخَدِّشْها مُشَوِّه، تابعَ مَركبُ ريادتِهِ المنطقةَ فَصلاً بعدَ فصل، الى حيثُ استطابَ الرُّسُوَ عارِضاً آياتٍ موصوفةً جَبَرَت عَرَجَ ما حولَه. واليوم، وبفضلِ زمنِهم القاتِم، يقفُ لبنانُ موقفَ الآسِفِ على أيّامٍ هَوَت بعدَ اعتلائِها، وقد قَصُرَت كأنّها أنفاسُ حَشرَجَة، وانكمشَت في أعطافِ طَيشٍ مُؤذٍ حوَّلَ محلَّ غيرِ لبنانَ أَعْمَرَ من بُقعتِه، وباتَ شعبُهُ بحسرةِ الخائب، فبعدَ أن بنى ناسُهُ أمجاداً فوقَ عَدَم، كدَّسوا، في زمنِ واحِدي زمانِهم وهلوسةِ عنجهِيِّهم، عَدَماً فوقَ أمجاد.
