
كتبت ساسيليا دومط في “المسيرة” – العدد 1739
لبنان على خط الزلازل وكذلك أعصابنا
هكذا نقاوم إرتداداتها النفسيَّة
يقع لبنان على خط الزلازل، حقيقة قرأنا وسمعنا عنها منذ سنوات، ما يدل أن بلدنا أمام احتمالية هزات أرضية وزلازل، إلا أننا لم نستحق ذلك فعليًا إلا بعد الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا في السادس من شباط 2023، الذي وضعنا الشعور به من اهتزاز للحجر والمقتنيات أمام أمر واقع ومقلق، مخيف ومرعب، ماذا لو؟ حدث ذلك الأمر بالفعل؟ ماذا لو ضرب بلدنا الموجوع والمجروح زلزالاً أو هزة؟ هل نحن بخطر؟ هل نستطيع تحمّل المزيد من النكبات؟ لنترك الكلام العلمي للجيولوجيين المتخصّصين، ونصوِّب اهتمامنا على قدرتنا كشعب على التّحمل والاستيعاب، قبول الأمر الواقع، الحفاظ على صحة نفسية سليمة.
في تلك الليلة، تمام الساعة الثالثة والثلث من فجر الإثنين السادس من شباط، تقول فيرا البالغة من العمر 35 عاما: «استيقظت من النوم على ارتجاج السرير المؤلّف من طبقتين، من تحتي، فظننت للوهلة الأولى أن أختي النائمة في الطبقة السفلى تقوم بذلك عمدًا، بهدف إزعاجي، فصرخت بها، إلا أنها كانت ترقد في نوم عميق، وأدركت بثوان أن هناك أمرًا غير طبيعي، خرجنا من الغرفة، لنرى أمي رافعة يديها أمام صورة العذراء مريم، راجية العفو والرحمة والمغفرة. أما أبي، فكان يصرخ بنا من المدخل لنترك كل شيء ونخرج. كان صوت الجيران مرتفعاً، منهم من يركض على الدرج قاصدًا الساحات والطرق، خوفاً من انهيار المبنى، ومنهم من تجمّد في مكانه، أما جدتي، فركضت لتأتي ببعض المال والذهب الذي جمعته سرًا على مدى سنوات».
ما روته فيرا كان لافتاً، وهو لسان حال جميعنا، فكل منا تفاعل مع الحدث على طريقته. إلا أن الهزة لم تنته مع توقف الارتجاجات الجيولوجية، بل تركت أثرًا نفسيًا على كل منا، بين صدمة نفسية وقلق، نوبات رعب وهلع، أفكار وسواسية، فقدان الشعور بالأمان والاستقرار، ما قد يترافق مع اضطرابات في النوم والشهية، سرعة انفعال وعصبية، وآلام جسدية غير واضحة الأسباب.
أثر ذلك الفجر على جوني بشكل آخر، فلم يعد قادرًا على النوم ليلاً بعدها، لكنه يغفو صباحًا وخلال النهار، ما يدلنا على أنه أصيب بصدمة نفسية، وخوف خارج عن سيطرته، يربط النوم أثناء الليل بالخطر، ما يشعره بالقلق والخوف، فتتسارع دقات قلبه، يجف ريقه، تمامًا كما شعر حينها، كأنه، وبشكل لا إرادي يعيش الحالة نفسها كل يوم.
أما آخرون، فتسيطر عليهم وضعية الجهوزية للهرب، الحقيبة التي تحتوي على المستندات الشخصية، المال والمجوهرات، جاهزة، وكأنهم سيتمكنون فعليا من الاستفادة من ذلك في حال الطوارئ!
من الناس من سيطر عليهم القلق والخوف الدائمان، فلا يعرفون معنى الراحة، بل الحاجة الدائمة للقيام بأي شيء ولو من دون هدف، الذهاب لمجرد الذهاب، من دون أن يعلموا إلى أين، حالة بحث دائم عن الهدوء والاستقرار، من دون بلوغها مهما فعلوا.
كما تأثر بعض الأشخاص على مستوى الأكل والشهية، فأصبحوا يأكلون الحلو والمالح، من الوجبات الأساسية إلى الفاكهة والحلويات، الشوكولا والتشيبس، البزر والبوشار وغيرها، المهم أنهم لا يسيطرون على الأمر، ولا إرادة لديهم للتوقف عن تناول الطعام والشراب، إذ يقومون بذلك بشكل غير مقصود للتخفيف من التوتر، الذي قد يظهر أيضًا من خلال انعدام الشهية. هذا، ولم نذكر الأعراض النفس – جسدية التي بدأت تظهر كألم الرأس والمعدة، الدوخة وآلام العضلات والظهر وغيرها.
ما شعرنا به جميعا على أثر الهزة الأرضية أظهر «هزاتنا النفسية»، كشف عن تعبنا وقلقنا ورعبنا، عن عدم قدرتنا على مواجهة المجهول، عن حاجتنا للسيطرة بشكل دائم على الأمور.
أما دور وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيره على حالة القلق التي وصلنا إليها، فحدّث ولا حرج، إنذارات دائمة، تحليلات علمية وغير علمية من أشخاص مختصين ومدعين للاختصاص، التشاؤم وتوقع الأسوأ.
لا تؤثر الطوارئ الخطرة على صحتنا النفسية والجسدية فقط، بل على إنتاجيتنا وعلاقاتنا مع الآخر؛ فعندما نعاني من عدم القدرة على التركيز، ونفقد اهتمامنا بتفاصيل العمل، لا نتمكن من التقدم والتطوّر، وتتراجع قدرتنا على الوعي والمعرفة والإدراك، وبالتالي العطاء وتحمّل المزيد من الضغوط.
أما علاقتنا مع الآخر، الذي لا نستطيع حصره ببيئة أو مكان، فهو أفراد العائلة من شريك وأهل وأبناء، هو الأقرباء الأبعد والرفاق، الأصدقاء وزملاء المدرسة والجامعة والعمل، هو من نفوقه ويفوقنا مركزاً وتراتبية… فتتأثر إيجابا وسلباً بحالتنا النفسية والصحية، فنعكس إما فرحًا وسرورًا وتسلية، وإما حزناً وإحباطاً وتشاؤماً. كما تتوقف طبيعة علاقتنا بالآخر على طريقة تعاطينا معه، على ردود أفعالنا وقدرتنا على السيطرة على السلبية منها؛ قد نخسر من نحب بسبب عصبيتنا وسلوكياتنا العنيفة تجاهه، أو عجزنا عن فهمه واستيعابه في ظروف معينة، فنندم في ما بعد.
كيف نحافظ على صحة نفسية سليمة؟ كيف نحمي أنفسنا من الوقوع ضحية الخوف والقلق والتوتر؟ علمًا بأننا فعلاً على خط الزلازل.
التأكد من أن الخوف لم ولن يحمينا من أي خطر يداهمنا.
السعي الدائم للهدوء والسيطرة على الذات من خلال ممارسة الرياضة، التأمل، سماع الموسيقى.
الفصل بين الحقيقة العلمية والشائعات غير الموثوقة.
سيطرة المنطق والوعي على العواطف والمشاعر والانفعالات.
تجنب التركيز الدائم على الأنباء والأخبار السيئة، في حال عدم قدرتنا على التحكم بالأمر.
عدم إنكار الأمر الواقع.
الثقة بأننا لا نستطيع السيطرة على كل الأمور في حياتنا، الإيمان بالله.
استشارة المختصين عندما يسيطر علينا الخوف والقلق، لمساعدتنا على التغلّب على المشاعر السلبية التي تدمر صحتنا النفسية وعلاقتنا مع الآخر.
ضبط انفعالاتنا وردود أفعالنا.
حل مشاكلنا والصعوبات التي تواجهنا فور حدوثها وتجنّب التراكمات السلبية والمؤلمة.
نتعرض خلال مسيرة حياتنا لأزمات ومشاكل، منها المتوقعة وغير المتوقعة، قد نكون أحياناً قادرين على الإمساك بزمام الأمور كما قد نفشل بذلك؛ والأهم بالنسبة إلينا هو التحلّي بالمرونة، أي القدرة على التحمّل والتأقلم، والبحث الدائم عن الحلول، مفتاح الرضا الشخصي والعلائقي.
ساسيليا دومط – عالمة نفس إكلينيكية – رئيسة دائرة المحللين والمعالجين النفسيين في مصلحة المهن المجازة في حزب “القوات اللبنانية”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]