لبنان وقانون ساكسونيا

حجم الخط

 

نكتب ونكتب لأننا نخشى أن تخوننا أصواتنا حين نتكلم، لعلّ إن لم يُسمع الصوت يصبح حبر القلم سهم يصيب وعي جماعة ومجتمع ووطن!

‏فَنكتب عن واقع، نهرب من يومنا كما يهرب كلّ مواطن بحثاً عن نكرانٍ ليختبئ برجاء في لبناننا الآتي!

بين الواقع والرجاء… فرصة إن أتتنا فلن نضيعها، وإن لم تأتنا نصنعها بأنفسنا، برجائنا!

في الواقع يبدو لبنان اليوم كمقاطعة ساكسونيا.
تلك هي مقاطعة ألمانية قديمة، طُبق القانون فيها والعدل على جميع السكان، فابتُدِعت فيها مجموعة من الأحكام الغريبة. يقوم قانون ساكسونيا على تقسيم البشر إلى صنفين، النبلاء، والعامة الرعاع، فإذا اقترف أحد “العامة” ذنباً أمسكوا به وأوقفوه تحت الشمس وجلدوه حتى تسيل الدماء من ظهره. أما اذا كان المذنب من “النبلاء”، فيقف تحت الشمس ويتم جلد ظله!

حتى في جرائم القتل، أفتى القانون الساكسونيّ بأن يتم قطع رقبة القاتل من “العامة”. بينما تطبق العدالة بشكل مختلف على النبيل الذي يقف تحت الشمس ويتم قطع رأس… ظلّه.

في لبنان اليوم، السلطة حاكم ساكسوني عتيق، يجلد ظلّ نبلائه في القاع، والعَوجة ودير الأحمر وبرقا وعرسال وبعلبك… إلى خلدة…. وصولًا لكل لبنان!

فائض قوّة موصّف بالنبل يجلد ظلّ القتلة والمهربين ويحاكم الضحايا والمدافعين عن انفسهم!

في القرن الواحد والعشرين لا يزال العالم اليوم، مليء بقوانين ساكسونية، ومنظومة الفساد اللبنانيّة استلهمت هذه التجربة… وتفوقت عليها بجدارة. ولم تعد هناك حاجة إلى إجراء محاكمات من الأساس، فيها الفساد يرتع ويمرح، من دون رقيب أو حسيب، كل سارق وكل مرتشٍ، وكلّ قاتل ومذنب حر طليق فيما وفي بعض الأحيان، الضحيّة والمقتول وأهل القتيل محاسبون مدانون.

القضاء اللبناني، وإن نجح في ان يصدر مذكرات، لا أحد ينفذها. الدستور يُنتهك ليصبح العرف مخالفة الدستور لأنهم يوظفونه كوسيلة تكرّس تقاسم النفوذ.

الظلّ المجلود يُترجم باستنسابيّة تستخدم الدولة والقانون والبرلمان ورئاسة الجمهوريّة والسلاح لتحفظ ما تدعي أنه النبل. عندها يتحول النبل لخدمة ظلّه. فيُشوَّه النبل ولا يبقى الّا فتات دولةٍ وقانون وبرلمان ورئاسة!

قد يجتمعون كلّهم ويصرون بأكثريتهم على هذا الباطل.
لكن العدد لا يحول الباطل إلى حقّ، ولو اجتمعت معهم أقاصي الارض!

هذا هو الواقع لكن وصفه لا يصنع فرصة الدولة.
المواربة، المفاوضة، تكسبهما الوقت لكنهما أيضاً لا تصنعان فرصة الدولة.

عمليّاً، الاعتراض، المعارضة، من دون رؤية بخطوات تطبيقيّة كذلك لا تصنع فرصة الدولة.

وللدولة فرصتها ليس لأننا نعيش على آمال بل لأننا نملك الإرادة والقدرة، على الرغم من تعقيدات الواقع. إن السيادة والمحاسبة قرارٌ، يتخذه من هو قادر على الا يبيع السيادة لكي يشتري الفساد.

قرار، بالمحاسبة لا يعاقب سارق رغيف الخبز بدافع الجوع بل يسجن من هدر المال العام بدافع مصالحه ومصالح نبلائه.

قرار، يرفض أي رئيس لا يقدّم ضمانات للبنانيين بمتابعة سير العدالة بانفجار المرفأ، بفرض سيادة الدولة على كامل أراضيها، بمكافحة الفساد في كلّ مؤسسات الدولة، بإجراء الإصلاح بخطة اصلاحية شاملة لا تختزل بسدّ عجزٍ.

القرار بسيط، يحتاج للجرأة والنزاهة وبساطته لا تشبه تعقيدات مشهدنا اللبناني المبني على توافق المحاصصة لتذكية مصالح نبلاء الحاكم.

في النهاية، ‬‏لا يُحكم على من في السلطة خلال زمن الرخاء، أي ليس عندما يسود القانون واحترام الآخرين، بل عندما لا تكون هذه الامور موجودة ، فيتصرف كل شخص على هواه، وكما تملي عليه حقيقته، من دون ايّ ضابط أو مراعاة لايّ شيء.

وليس مصير الشعوب تاريخهم، بل قرار يتخذونه في الصمود ويلاقيهم فيه قادة ينفذونه وليس موظفون أو سماسرة أو تجار أو جبناء، ليكونوا صنيعة زيف الهروب يختبئون من وجه التاريخ ومن وجه “لبناننا الآتي”!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل