


29 عاماً… أرادوا يومها تفجير الوجود المسيحي الحر، وجعل “القوات اللبنانية” حزب الإرهاب والقتل وتفجير الكنائس، فتفجّرت فيهم الحقيقة الفاقعة.
“القوات اللبنانية” حزب الشرف والرجال الشجعان والحقيقة والمقاومة والنضال. حزب لا يقتل بل يقاوم كي لا يُقتل الوطن، فيجعل من نفسه مقاوماً لأجل الحرية ولأجل وطن لا يستحق الا الحياة. 21 نيسان 1994… 21 نيسان 2023، “القوات اللبنانية” حرّة في كل زمان ومكان.
موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، يعيد الذاكرة الى الذكرى الـ29 لاعتقال رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، بقصص ومقالات وشهادات.
ميشال الخوري، أحد وكلاء الدفاع عن د. جعجع، يروي.
لم يكن يُخيّل في بال، أن وقاحة النظام الأمني – اللبناني السوري، ستصل الى حدّ دخول غدراس، لاعتقال رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع. كان ذلك يوم الخميس في 21 نيسان من العام 1994، يوم ربيعي عبق بزهور نيسان ورائحة الربيع، وكان قد حلّ الظلام. بعد تلك اللحظة، صار ربيع اللبنانيين والقواتيين خريفاً، فتحوّلت شمس أيامهم الى غروب، وزهور عمرهم معارك نضال لاسترجاع نَفَسِ وطن، أفل بريقه ودخل في سجن كبير.
كان سمير جعجع يعي تماماً أن الساعة دقّت. لا تَوَسُّل الرفاق بالابتعاد عن لبنان أتى بثمار، ولا إغراءات النظام الأمني لجعجع بمراكز ومناصب فعل فعله. مقاومة حتى النهاية، حتى الاعتقال والتنكيل والظلم. “بشوف وجكن بخير”، قالها الحكيم وخرج شامخاً مرفوع القامة، فصار “الأسير” رمز الأحرار في زنزانة الشرف، وصار الجلادون أسرى ذاك المناضل وهؤلاء القواتيين الذين لا يخافون ولا يتعبون، على مساحة وطن، لا بل على مساحة بلدين.
في الأيام القليلة التي سبقت اعتقال الحكيم، كان المقربون جداً اليه، يترقبون ساعة الصفر… اليوم. بعد ساعات. غداً… هل يمكن الا يأتوا أبداً؟
يروي المحامي ميشال الخوري، وكيل جعجع الخاص حينها، مواكبته لتلك المرحلة، “قبل الاعتقال بأيام أصرّ شبان وشابات من الرفاق على الصعود الى غدراس. تجمعوا عند أسفل الطلعة التي تبعد أمتاراً عن مدخل المقر، لكنّ الحكيم طلب أن يغادروا حفاظاً على سلامتهم، ويوماً بعد يوم، بدأ عددنا يقل في المقرّ بطلب من الحكيم، الذي كان يقول للرفاق، ما في لزوم تجوا بقى، ما في لزوم تبقوا هون”.
يفند الخوري لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني مشاهداته، “عشية اعتقاله في العام 1994، طلبنا منه، جوزيف فضول وفريد حبيب، ودياب القزح وأنا، مغادرة غدراس وعدم السماح للنظام الأمني اللبناني – السوري باعتقاله، لكنه رفض واحتج على هذا الطلب الذي كان بنظره غير منطقي. سألناه، كرمال شو عم تعمل هيك؟ فأجاب، كرمال يلي استشهدوا واندفنوا تحت التراب، وكرمال كل واحد بعدو عم يناضل. كان الهروب مستحيلاً بالنسبة اليه، وهو الذي قال، مش ممكن اترك الشباب يتعذبوا، حتى أنا أهرب وأرتاح برات البلد”.
“عشية اعتقاله، كنا جوزيف فضول وأنا في غدراس. طلب من أهله مغادرة المقرّ، ثم طلب منا أن نغادر أيضاً بحجة أنه يريد أن يرتاح قليلاً. كالطاووس راح يمشي، واثق الخطى مطمئناً الى قراره، وآخر همو إنو جايين يعتقلوه. خرجنا، لكننا التقينا بالقوة التي كانت متجهة لإحضاره في منتصف الطريق”.
أثناء المحاكمات، أصبح الخوري وكيل د. جعجع الخاص، صحيح أن هذا الأمر كان يعزّيه بعض الشيء، لكنه كان يحفر في نفسه جرحاً عميقاً، وكان يستاء لأن الرفاق يحسدونه على رؤية القائد وإن في المعتقل، “كنت أشعر أني مذبوح لأن بدي شوف سمير جعجع وأنا رح فلّ وهو رح يبقى فوق. في ألم كبير من بعد كل لقاء، لأن ببساطة كنا عاجزين عن إنو نقدر نعمل شي”.
يتذكر أول لقاء له بالحكيم في المعتقل، “لم أكن في جلدي يومها، ولم أكن قادراً على تحديد مشاعري، وهذا ما بدا واضحاً عليّ عندما التقيته، فبادرني قائلاً، إذا بدك تضل زعلان ما بقى تجي لعندي. ما في فرق بيني وبينكن إلا شغلة صغيرة بس، انا بسجن صغير وإنتو بسجن كبير”.
يروي الخوري أيضاً ما جرى بينه وبين الحكيم في المعتقل، بعدما استفاق الوزير بشارة مرهج على نفسه “مش وزير”، يقول، “أثناء لقائي به، أخبرته بما جرى مع مرهج. لم يتعجب، وكانت ردة فعله أكثر من طبيعية وبادرني بالقول، “بعد بدكن ياني أنت وفريد وجوزيف، فوت ع الحكومة أو فلّ؟ أشرف بمليون مرة مضّي عمري كله في زنزانة تحت الأرض من أن كون بحكومة مذلولة”… لكن الجندي لم ينتظر ردي، فأخرجني فوراً من اللقاء، وبتنا نترك تبادل الأخبار “المحرّمة” الى نهاية اللقاء لأن مصير أي حديث يتعلق بالوضع السياسي اللبناني كان مصيره “الى الخارج… انتهى الكلام”.
يتوقف الخوري عند فترات المحاكمة ويستعيد من ذاكرته مشهد مرافعة “الحكيم” عن نفسه في ملف كنيسة سيدة النجاة، يوم أذهل القضاة والمجلس العدلي وتكلم ساعتين ونصف الساعة من دون توقف، حتى اضطر المحامي البروفسور إدمون نعيم الى التوجه اليه قائلا، “لقد فككت الملف وأنت قادر على الدفاع عن نفسك من دون محامين”، يضيف، “حفظ سمير جعجع 4 آلاف صفحة عن ظهر قلب، بكل التفاصيل المملة، لدرجة أنه كان يتذكر أين تقع الكلمة التي يريدها، وفي أي سطر وأي صفحة، وعندما سمح له المجلس العدلي بالحصول على قلم وورقة لكتابة مرافعته التي تجاوزت الـ150 صفحة، وذلك قبل 15 يوماً فقط من النطق بالحكم، راحوا يطفئون النور في الزنزانة، إلا أنه كتب 80 صفحة عَالعتم”.
يتذكر الخوري أيام يسوع الملك إذ كان يتغيب فقط نهار الأحد عن الحضور، أما بقية أيام الأسبوع، من الاثنين حتى السبت، فكان يتوجه مع الرفيقين حبيب وفضول عند الساعة السادسة مساء للقاء ستريدا. “كان الضغط كبيراً، والممارسات الشاذة لا تحصى ولا تعد، لكن لا أخفي أن إزعاجي كان أقل من الباقين باعتبار أنني محامي”.
أوقف ميشال كما مئات الرفاق مرة، وسيق من عمشيت الى الشرطة العسكرية في بيروت للتحقيق معه، “يومها نصحني العميد بالابتعاد عن القوات برمتها، فما كان مني إلا أن أجبته، هيدا موضوع خصو فيني، أنت شو فرقاني معك”؟
يدمع الخوري، عندما نتحدث عن ظروف لبنان والمرحلة التي يعيشها، ويختم “قلت للحكيم يوماً، ما يوقفني عن المقاومة والقضية وحبي لك هو الموت. سمير جعجع رجل لا يتكرر إلا كل 500 سنة، وطالما هو موجود طالما هناك كرامة في هذا البلد، لأننا فعلاً لا قولاً، مقاومة مستمرة”.
