.jpg)
في إعادةٍ لاكتشافِ الأحداثِ التي أثبتَت أنّ أَخبثَ الشَّجرِ هو ذاك الذي يُثمِرُ بعضَ الأَشِقّاء، وأيّ أشقّاء، كان اللّبنانيُّ، الذي لطالما رسمَ المستقبل، مقتحِماً عالمَ الحضارة، لا يقوى على النّهوضِ من مأساةٍ نشرَت في ذاتِهِ دخانَ اليأس، واختطفَت من قلبِهِ عشبةَ الحياةِ الخالدة وكأنّها تُشدِّدُ على خيراتِ النّار. لقد احتملَ النّاسُ، عندَنا، آلاماً وقهراً واستبداداً، في زمنِ العنفِ السّوريّ، وعلى مدى عُقود، لكنّهم، في ذواتِهم، لم يُهملوا ما في جُذورِهم من جرأةٍ، وإرادةِ مواجهة، وتَوقٍ الى الحريّة، وإيمانٍ بأنّ الفداءَ هو أساسٌ للبقاءِ بكرامة، فالفداءُ ليس مغامرة.
لسنا نُنكِرُ أنّ خَوضَ التمرّدِ، والتحدّي، بالرَّغمِ من كونِهِ مُكلِفاً، وهكذا كان، هو ديناميّةٌ ترتقي الى التحرّرِ، لذلك، كان حضورُهُ، فينا، حارّاً، وفاعلاً، ومُلِحّاً، ومرتَكَزاً أساسيّاً في التطهُّرِ من لوثةِ الوصاية، ومُسَوِّغاً لإعادةِ إحياءِ كرامةِ الأرض، والأملِ ببقائِها على هذا النَّحو. وبالرَّغمِ من عُقمٍ في وطنيّةِ البعض، وتَمادٍ في عَمالةِ البعضِ الآخر، وتقاعسٍ في جزءٍ مِمّن كنّا نظنُّهم يجيدونَ قراءةَ الأحداثِ لمواجهتِها، أَقدَمنا على تَصويبِ الرّمايةِ سبيلاً وحيداً وصائباً للتخلّصِ من كابوسِ الباطل، مُنجِزينَ، وبالرَّغمِ من عدمِ تكافؤِ موازينِ القوى، طَردَ الذين قبضوا على مصيرِنا، وقرارِنا، وجيَّروا وطنَنا لإرادتِهم ومصلحتِهم، ونهبوا مقدّراتِنا، وأعملوا ظلمَهم فينا قتلاً، وتنكيلاً، وخَطفاً، وإخفاءً، وإبادة.
إنّ موطنَ رغباتِ السّوريّ الكبرى، هو ضَمُّ لبنانَ الى سوريا، وإنهاءُ وجودِهِ المستقلّ، فالحكمُ السوريّ لم يعترفْ، يوماً، بالكيانِ اللبنانيّ، وإِنْ مَوَّهَ موقفَهُ هذا، ببعضِ الإشاراتِ الدعائيّة، من أنّه يُقيمُ لوجودِ الوطنِ اللبنانيِّ، في حسابِهِ، وزناً، كلّا، فلبنانُ، في قناعتِهِ، جزءٌ من سوريا، أو هو محافظةٌ من محافظاتِها، ليس إلّا. وقد عانى لبنانُ من هذا النَّزَقِ السوريِّ المَقيت، وسُمِّرَ في قفصِ هذا الطَّمعِ البغيضِ، والمتمادي، وعاشَ إجرامَ التدخّلاتِ السوريّةِ في شؤونِهِ، وتنصيبَ الحاكمِ السوريِّ نفسَهُ وصيّاً، عليهِ، ووليَّ أمر، وإِعمالَ التّنكيلِ والإغتيالِ برجالاتِ الوطنِ الإستقلاليّة، والإلغاءِ بالقتل…
لم يكنْ بدٌّ من إعادةِ اللُّحمةِ بين لبنانَ والحريّة، بإسقاطِ البَراقِعِ السوريّة، وتحريرِ الحالةِ الوطنيّة، والأرض، بقرارِ صناعةٍ جديدةٍ للموتِ، وهي الموتُ الرّافضُ للموت، والتي تجعلُ منهُ قوّةَ قيامة. فإذا كانتِ التضحيةُ هي قاعدةَ التحدّي، فقد كُنّا متلهِّفين الى إمساكِ لَهيبِها بأيدينا، لأننا كنّا على ثِقَةٍ بأنّ الحريةَ لا تُعطى مجاناً، وشِفاءَ الأسقامِ في الوطنِ ليس مُنزَلاً، وانتشالَ النّاسِ من الرّعبِ والنّارِ لا يتِمُّ بِقَرعِ الصُّدور. من هنا، لم نشأْ أن تتَّخذَ الخيبةُ فينا مَلعباً، وتتوسَّعَ في مساحةِ زمنِنا، وتُعَيِّشَنا في ظروفٍ كئيبةٍ مُلَوّنةٍ بالظّلمة، ونُرمى في هُوَّةٍ لا أملَ بالخلاصِ من قَعرِها، فنحنُ، وإنْ كنّا نعيشُ في مُعتقَدِنا روحاً رسوليّةً، وطَبعاً سَمِحاً، غيرَ أنّنا مُتأجِّجو الكرامة، والكرامةُ أساسٌ أصيلٌ فينا، لِذا، لم نرضخْ لِقَدَرٍ عاتٍ، ولِأَملٍ مُحَطَّم، وكانت لنا صيحةٌ عالية، ناهضةٌ بشُحناتِ التصدّي، مَدارُ المواجهةِ فيها خَصب، فارتقَت فينا المجابهةُ، لنبقى.
اليوم، تبرزُ صعوباتٌ كثيرةٌ من شأنِها أن تؤدّيَ الى تقويةِ عواملِ التّصادمِ مع النّازحين السوريّين، فنكبةُ لبنانَ بهم، شَبيهةٌ بنكبةِ هجرةِ الفلسطينيينَ إليه، وتجاوزاتُ السوريّين، وتعدّياتُهم، وإخلالُهم بالقوانين، واقتناؤُهم الأسلحة، تُذكِّرُ بما ورَّطَنا به الفلسطينيّون، منذُ أَمَدٍ ليسَ ببَعيد، من حربٍ دمَّرَت لبنانَ، حجراً وبشراً. هذه النَّكبةُ بالنّزوح، والتي لا تزالُ بدونِ حلّ، يُديرُ لها النّظامُ السوريُّ ظَهرَه، وكذلك المجتمعُ الدّولي، فالعودةُ للسوريّين، كما للفلسطينيّين من قبلِهم، “… عودةٌ الى المقابرِ ” كما يقولُ ميخائيل نعيمة في كتابِهِ ” سَبعون “، واصِفاً حالَ المهاجِرين بينَ أواخرِ القرنِ التاسعِ عشر، وبداياتِ القرنِ العشرين، لكنْ ينبغي أن نشيرَ الى أنّ التّقاطعَ، هنا، هو في موضوعِ الإرتزاق، فقط. أمّا في شأنِ عدمِ مبالاةِ الحكمِ في سوريا، وفي فلسطين أيضاً، بقضيةِ العودة، فلا ينسحبُ ذلك على المهاجرينَ اللبنانيين الى أربعةِ أقطارِ الدّنيا، ولأسبابٍ كثيرةٍ معروفة. فالسلطةُ قي سوريا، لا تريدُ أهلَ سوريا النّازحين، ولا ترغبُ في رؤيةِ وجوهِهم على أرضِ وطنِهم، وهم، أي النّازحون، لا يَسعَون الى العودة، فالإرتزاقُ في لبنان، مُؤَمَّنٌ، وبوَفرة، إنْ من خلالِ تلقّيهم المساعداتِ الدّوريّةِ من دوائرِ الأممِ المتّحدة، وبالعملةِ الصّعبة، وإِن من خلالِ البدلاتِ الماليّةِ التي يتقاضَونها من أعمالٍ يؤدّونها في لبنان، بِما يزيدُ من البطالةِ في صفوفِ أولادِ البلد، ويدفعُ بغالبيّتِهم الى الهجرة.
إنّ تَلقُّفَ المهاجرِ أهلَنا، من أصحابِ العقولِ والإختصاصات، والأيدي العاملةِ الشّابة، يُفرِغُ وطنَنا من الفئةِ العُمريّةِ النّاشطة، ويؤدّي الى أزمةٍ في الإنتاج، وفي الإقتصاد، والى اختلالٍ في الديموغرافيا، عِلماً أنّ الإحصاءَ الأخيرَ لتَنامي أعدادِ السوريّين، عندَنا، يشيرُ الى ستماية ألف ولادة في السنة. هذا الواقعُ الخطيرُ يطرحُ الإشكاليةَ الإلزاميّة : هل يتواطأُ المجتمعُ الدوليّ مع النّظامِ السوريّ، وفئةٍ من البَلَديّين، لتوطينِ السوريّين، وكذلك، الفلسطينيّين في لبنان ؟ وهل عُمِلَ، قصداً، على تسريبِ هذا القرار الى السوريّين النّازحين ليتزايدوا ويتشبّثوا بالبقاءِ في لبنان، ويقولوا، بِتَهَكُّمٍ يَقصدُ اللبنانيّين:” إيمْتا بَدُّن يْفِلّو هودي من بلادنا” ؟