.jpg)
كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1740
الهدف الأساس لأي شعب في العالم العيش في بيئة مستقرة وآمنة ومزدهرة وممارسة معتقداته بحرية تحت سقف القانون، الأمر الذي حُرم منه الشعب اللبناني منذ 13 نيسان 1975، أي منذ حوالي 48 عامًا، وهناك من لا يزال يطالب اللبنانيين بالصبر وكأن قدرهم الانتظار على رصيف الأحداث والتطوّرات، ومن منهم قادر على الرحيل لن يتأخّر، ومن لا تسمح إمكانياته بمغادرة البلاد يعضّ على جرحه متحسرًا.
وعدا عن أن هذا الأمر غير مقبول بأي مقياس من المقاييس، فإن خطورة استمرار الوضع على هذا النحو، الذي لا دولة فيه، تكمن في الهجرة الواسعة والكبيرة التي تهدِّد مع الوقت التوازن بين الجماعات والهوية اللبنانية، وأصبح من الضرورة بمكان البحث عن الحلول المرجوّة للأزمة اللبنانية وليس التعويل على عامل الوقت والتحولات الخارجية التي قد لا تأتي بما يخدم لبنان وشعبه.
بعد خروج الثورة الفلسطينية كان الإعتقاد بأن المسبِّب للحرب اللبنانية انتهى وأن البلد سيستعيد عافيته، ولكن النظام السوري منع المصالحة بين اللبنانيين وأبقى لبنان ساحة حرب متحيّناً الفرصة لوضع يده بشكل كامل على الدولة ومفاصلها. وبعد خروج الجيش السوري تجدِّدت الآمال بقيامة لبنان وعودة الدولة، ولكن «حزب الله» استكمل الدور السوري وقضى على حلم اللبنانيين الذين توحّدوا في ساحة الحرية في انتفاضة غير مسبوقة في التاريخ اللبناني.
ومنذ العام 2005 ما زالت معاناة اللبنانيين على حالها من دون أفق للحلول الداخلية في صراع كل الهدف منه منع «حزب الله» من الإطباق على القرار اللبناني، لأن نزع سلاحه المعطِّل لقيام الدولة غير ممكن، والرهان الوحيد هو على التطوّرات الخارجية الكفيلة بتغيير الدور الإيراني ليتبدّل معها دور الحزب، ولكن هذا الرهان ليس قريب الأمد ويتوقّف على مدى تطوّر العلاقات السعودية – الإيرانية وتخلّي طهران عن دورها العسكري.
وما لا يجب إنكاره أن الانقسام بين اللبنانيين منذ خمسة عقود يتمحور حول قضايا رئيسية لا ثانوية، وتتعلّق بدور لبنان وبما هو أبعد من الصراعات السلطوية، وكان الاعتقاد بأن اتفاق الطائف حسم الإشكاليات البنيوية المتصلة بنهائية الكيان وعروبته، ولكن فصول الحرب ما زالت مستمرة منذ 33 عامًا بعد انتهاء الحرب العسكرية، ولا مؤشرات إلى نهاية لهذه الجلجلة المتواصلة بفصول مختلفة.
وما لا يجب إنكاره أيضًا أن الخلاف مع «حزب الله» ليس على رئاسة الجمهورية التي يريد الفوز بها حمايةً لسلاحه، إنما حول دور لبنان الذي يريده الحزب ساحة من ساحات الثورة الإيرانية، ويرفض تسليم سلاحه بحجة مقاومة مرفوضة من معظم اللبنانيين، وهذا السلاح يمنع قيام الدولة وتحقيق الاستقرار، ولا طائل من حوار حول استراتيجيات دفاعية وغيرها، لأن المسألة مبدئية إما احتكار الدولة وحدها للسلاح أو لا دولة.
وعلى رغم هذه الوقائع التي تفيد بأن «حزب الله» يرفض تسليم سلاحه ولا يعترف بلبنان كدولة ذات سيادة وحدود نهائية، فإن هناك من يُصرّ على مواصلة الصراع بالطريقة التقليدية المعهودة، أي التمسُّك بالشرعيات المحلية والعربية والدولية المعروفة، وهذه الطريقة مطلوبة قطعًا للطريق على سيطرة الحزب على الدولة كلها، ولكن هذا الأسلوب في المواجهة لم يعد يكفي بعدما استُنزف ودلّ أن سقفه لا يتعدى منع الحزب من السيطرة على الدولة، فيما الهدف الأساس لا يقتصر على ذلك، إنما يتعداه إلى إنهاء إزدواجية السلاح، الأمر غير الممكن، والخطورة في هذا الصراع المفتوح تتصل بعامل الوقت الذي يستفيد منه الحزب بتغيير المعطيات الديموغرافية.
والسؤال الذي على كل مواطن سيادي ويريد الحفاظ على نمط عيشه الإجابة عنه، يكمن في التالي: هل المطلوب الصراع للصراع بالرهان على ظروف غير معلومة قد تأتي أو لا تأتي، أو بتغيير قواعد هذا الصراع من أجل وضع حدّ نهائي له، لأن الهدف في نهاية المطاف العيش في كنف دولة طبيعية يحقِّق فيها المواطن أحلامه ببناء حاضره ومستقبله وليس الاستمرار وسط انهيار وعدم استقرار؟
والخطوة الأولى المطلوبة على هذا الصعيد الكفّ عن تخوين كل من يفكِّر في حلول من خارج العلبة، بل من يفكِّر بهذه الطريقة مطالب بتخوين كل من يُصرّ على المواجهة الكلاسيكية التي أظهرت أن سقفها محدود ويستحيل أن تُنهي الأزمة اللبنانية، وهذا النوع من المواجهات مطلوب كهدف ثانوي على طريق تحقيق الهدف النهائي وليس أن تتحوّل إلى هدف وحيد من دون أفق والتعويل فيها فقط على عوامل خارجية غير منظورة.
وعلى رغم أن الاتفاق السعودي – الإيراني فتح آفاقا جديدة في المنطقة وأعطى آمالا بإمكانية إنهاء الصراع المرتبط بالدور الإيراني، ولكن من قال إن طهران ستتخلّى عن استثمارها الكبير بأذرعها وبوقت قصير، فيما أقصى ما يمكن توقعه على هذا المستوى تسوية جديدة في لبنان على غرار تسوية الدوحة أو الرئاسية في العام 2016 يتراجع بموجبها «حزب الله» عن أدواره الإقليمية والداخلية المستفزة تجنّبًا لإحراج طهران، ولكن كل ذلك تحت سقف سلاحه ودوره، خصوصًا أن سلاحه يشكل جزءًا من علّة وجوده، ونظرته إلى دوره تتجاوز الإطار اللبناني إلى محاولة تكريس مقاربة بأبعاد دينية – سياسية.
ومن هذا المنطلق لم يعد البحث عن تركيبة جديدة مجرّد ترف فكري، إنما سعي للحفاظ على الوجود وهوية لبنان التاريخية، ومن لديه أي حلول أخرى فليتقدّم بها، فيما مواصلة الصراع من دون أفق واضح يخدم سياسة «حزب الله» التي يتكئ فيها على عامل الوقت الذي بنظره يعزِّز أوراقه ويُضعف أوراق أخصامه، والتفكير دوما أن ما يمكن تحقيقه اليوم قد يصبح متعذرا التحقُّق بعد سنوات، والدليل أن وضع القوى السيادية في العام 2005 كان أفضل من اليوم، وبعد عشر سنوات سيكون الوضع أفضل للحزب في حال لم تُعالج الأزمة اللبنانية بعمقها وجوهرها.
والحيوية الفكرية والسياسية التي تشهدها الساحة اللبنانية تذكِّر بزمن ليس ببعيد عندما كانت تتصارع الأفكار والمشاريع الكبرى تحت عنوان «أي لبنان نريد؟»، وهناك يقظة لا يُستهان بها على هذا المستوى بعد وصول اللبنانيين إلى الحائط المسدود وسط انهيار وانعدام الآمال بقيام دولة فعلية وطبيعية، ومن الخطيئة أن تواجه هذه اليقظة من داخل الخط السيادي، لأن السبب الأساس لإحياء المشاريع الكبرى إفشال «حزب الله» كل المساعي لتطبيق الدستور وعودة لبنان بلد طبيعي، ومن الحكمة استثمار هذا الجو ووضعه في مواجهة الحزب المسؤول الأول والأخير عن دفع اللبنانيين التواقين إلى عيش حياة هانئة إلى البحث عن حلول من خارج العلبة، ولا بل من الواجب التعامل مع هذه اليقظة ببعدين تكتيكي واستراتيجي.
والبعد التكتيكي الهدف منه إشغال «حزب الله» في مواجهة سياسية غير تقليدية اعتاد عليها، وتعبئة الرأي العام بحثاً عن حلول نهائية للأزمة اللبنانية، وأما البعد الاستراتيجي فهو توظيف التكتيك في خدمة استراتيجية لا عودة فيها إلى الوراء سعيًا لتغيير التركيبة اللبنانية.
ولا أحد يتحدّث هنا عن تغيير حدود لبنان ولا عن الفصل بين اللبنانيين، إنما الحديث عن ضرورة البحث عن تركيبة لا تُؤثِّر الصراعات فيها على عيش الناس ومستقبلهم، خصوصًا بعد خمسة عقود من الصراع وتغييب الدولة وتحوّل الهجرة إلى هدف لدى اللبناني الباحث عن استقرار، وأي تفكير آخر ولو عن حسن نية يعني خدمة أغراض «حزب الله» ولو بشكل غير مباشر، كون أن الحزب يريد استمرار الصراع بوجهه الحالي حتى آخر لبناني، ما يسمح له بتحقيق مشروعه على أرض خالية، فيما يجب أن يصل كل مواطن لبناني يريد البقاء في بلده إلى قناعة بأن هذا الوضع لم يعد مقبولاً، وأن التغيير يتطلّب البحث عن تركيبة جديدة.
شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
