#dfp #adsense

سامي خياط… “خليكن عم تضحكوا”

حجم الخط

حتى البسمات لها موعد حاسم مع الرحيل. رحل سامي خياط. هكذا وبكل بساطة لملم الرجل كل الضحكات التي زرعها على مدى 63 عاماً على مسارح لبنان، ضبضب كل ذاك الذكاء الفكاهي النادر، وقال وداعاً لبنان.

اندلعت الحرب، وبقي سامي خياط فوق خشبة المرسح يزرع الضحكات غصباً عن إرادة الموت والدمعات. أقفلت دروب لبنان، وبقي مرسح سامي خياط مفتوحاً أمام الأمل والضحكة الساخرة من الموت واليأس. مات الناس واستشهدوا بغزارة، وعاش مرسح سامي خياط محيياً إرادة الحياة في القلوب اليائسة. ليس أجمل من أن تكتب عن رجل مماثل تحت عنوان “زارع الضحكات في قلب الموت”.

نيال ذاك الرجل، ولا أكتب عنه سيرة ذاتية، ولا أحب أحياناً الغوص في تلك التفاصيل وإن كانت هي التي صنعت تاريخه، أحب أن أكتب عما فيه وما فعله، لأن ما فعله سامي خياط تاريخ مرسح ضاحك ساخر مبدع مثقف، مرسح انتشل وبالقوة الناعمة، كل الضحكات وغرزها في وجوه اللبنانيين حين كان الضحك غالياً والموت رخيصاً.

يقولون عنه “ظاهرة فنية” في عالم الكوميديا الساخرة والطرافة، وأقول عنه شخصية استثنائية تلقائية في مرحها وهضامتها. لم يكن الرجل ليستطيع أن يتكلم بشكل عادي ويفتح حواراً عادياً، الا وتنهال الضحكات من حوله. هو تلك الهالة الغريبة من السعادة العابرة في رجل. العام 2019 كان شارك في مهرجانات الأرز الدولية في آخر لياليه مع أبرز الممثلين الكوميديين في لبنان، تحت عنوان “اضحك لبنان”، حتى في التدريبات لم يكن بإمكان الحاضرين من زملائه، الاستمرار في التحضيرات من دون المقاطعة المتواصلة بسبب الضحك حين يأتي دور سامي خياط. هي تلك التلقائية في الأداء والتي تظن أنها من طبع الرجل. الممثلون كثر من حوله لكنه كان غالباً يبدو الوحيد من بينهم لأنه يخطف كل البسمات وكل الحضور ويختصره فيه، هذه ميزة سامي خياط الذي رفض الاستسلام للعمر أو المرض، وبقي المناصر الأول للحيوانات وأسس جمعية للرفق بالحيوان لاقتناعه أن تلك المخلوقات تستحق المعاملة الانسانية الحسنة، وبقي مناضلاً فوق ضحكاته حتى آخر الضحكات، آخر الانفاس، آخر العمر.

اوسمة فرنسية لبنانية عالمية وآخرها “نجمة المبدعين” من الاتحاد الاميركي، وبقي الرجل في تواضعه الكبير. هذا شأن المبدعين المثقفين النبلاء المتوغلين في إنسانيهم العميقة وثرائهم الفكري، ويقولون إن الأكثر حزناً هم الأكثر قدرة على زرع الفرح في قلوب الناس، ولا أعرف صراحة ما إذا كان سامي خياط عاش شجناً كبيراً ما، لكن الأكيد أن وجع الوطن وقهر المواطن اللبناني كان مادة الفكاهة المتمايلة على الأسى التي عنونت مرسح سامي خياط. آلمه وطنه، ولا يؤلمنا عادة الا من نحب. كان ابن لبنان الصميم، كان ابن الثقافة اللبنانية العالمية العريقة، كان الفكاهي المتألم من ضيق بلاده، لكنه رفض الاستسلام للزعل، ورفض أن يحتفظ بالبسمات لوحده فعمم ثقافة الضحك على الحال والوضع، لتكون البسمة رسالة عابرة لكل الأجيال، أن بإمكاننا أن نناضل حتى بالأمل وبالشفاه الضاحكة ولو كنا على صفيح ساخن.

رحل سامي خياط؟ رحل الجسد، ومصير الأجساد دائماً الافول، لكن لا يمكن أن تغيب ضحكاته الملعلعة في أرجاء لبنان، وأكيد، حتى وهو يرحل بقي مبتسماً، واتخايله قال لمن حوله، “ودعوني بالضحكات واوعا تبكوا عليي بزعل، ضحّكتكن أكتر من نص قرن، خليكن بهالضحكات”.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل