#dfp #adsense

13 نيسان… أن نتذكر لم يعد يكفي

حجم الخط

كتب إيلي طوني الياس في “المسيرة” – العدد 1740

“تنذكر لما تنعاد”، مصطلح لم يعد يكفي في ذكرى 13 نيسان، ذكرى حرب فُرضت علينا من دون أي مقدمات، وكان الهدف هو الانتقام من هذا اللبنان الذي لم يكن يشبههم…

الذكرى أصبحت مناسبة لإطلاق بعض مواقف الاستنكار من هنا أو هناك، وأحياناً “تسخيف” ما حدث وكأن المقصود هو الاستمرار في التكاذب وإخفاء الحقيقة… حقيقة ما حصل.

سعت الشعوب المتحضرة والتي لديها رغبة حقيقية في طي صفحات العنف والمآسي، ولا تزال تسعى، الى معالجة ترسّبات العنف من خلال كشف الحقيقة ولجم الجراح كي لا تتكرر. وبعد 40 عامًا على انطلاق الأعمال العسكرية ومسار تدمير الدولة عبر تقييد سيادتها، أصبح الشعب اللبناني بحاجة ماسة الى قول الحقيقة ومواجهة ترسّبات الماضي وإطلاق مسار المصالحة بشكل جدي.

في ثمانينات القرن الماضي، ظهر مفهوم “العدالة الانتقالية” خلال موجات الانتقال من الأنظمة الاستبدادية إلى الديمقراطية، التي حدثت في أميركا اللاتينية والتي كانت بمعظمها عنفية، وهو نهج يهدف إلى تحقيق العدالة للضحايا والمجتمعات المتضرّرة من النزاعات المسلّحة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والجرائم الدولية. وتتضمن هذه العدالة إجراءات عديدة، منها التحقيق في الجرائم، ومحاكمة المتورطين فيها، والتعويض للضحايا وقول… الحق. وكانت الفكرة هي التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان والفظائع التي ارتكبتها الأنظمة السابقة وتعزيز المساءلة والعدالة والمصالحة في عملية الانتقال إلى الديمقراطية. وقد اكتسب مصطلح “العدالة الانتقالية” انتشارا واسعًا في التسعينات حيث حدثت انتقالات مشابهة في شرق أوروبا وأفريقيا، وتطور هذا المفهوم ليصبح إطارًا معترفاً به عالميًا لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي وتعزيز السلام والديمقراطية والتنمية المستدامة.

العدالة الانتقالية إذاً، وهو مصطلح أممي، يمكن أن تساعد في تعزيز الثقة بين المجتمعات المتنازعة وتحقيق الوحدة الوطنية، ويمكن أن تشجع أيضًا الانتماء إلى الدولة مما يساهم في تقليل احتمالية حدوث صراعات مستقبلية. لذلك، فإن إطلاق مسار “العدالة الانتقالية” في لبنان وبشكل جدي، هو السبيل الوحيد لمواجهة الإفلات من العقاب والشعور بالغبن الذي يهيمن على المجتمع اللبناني بشكل عام والمسيحي بشكل خاص.

لقد عانى لبنان من حرب تهجير وإبادة طويلة، استمرت لأكثر من أربعة عقود، وقد تركت هذه الحرب جراحًا عميقة في نفوس الناس من خوف وإحباط وإحساس بالغبن. إلا أنه، لم يتم تطبيق أي عملية مصالحة بعد توقف الأعمال الحربية في لبنان عام 1990، مما أدى إلى تعميق الشعور بالظلم والانفصال بين مكوّنات المجتمع. وفي ظل الاحتلال السوري الذي استمر لأكثر من عشرين عامًا، تعاظم الشعور بالإفلات من العقاب وتصاعد وتعمّق في نفوس الناس خصوصاً مع استهداف طائفة محددة واضطهاد نشطائها واعتقال أبرز قادتها وملاحقة شبابها حتى الاستشهاد في زمن “السلم” المزعوم. والسؤال البديهي: كيف يُبنى السلام وتتحقق العدالة ومنطق الحاكم المطلق هو أهم أسباب الحرب؟

الواقع هو أن المجتمع اللبناني المسيحي يعاني من الشعور بالظلم والإفلات من العقاب والخسارة بعد انتهاء الحرب الأهلية في العام 1990، خصوصًا أن مسار العدالة الانتقالية يرتكز بشكل كبير على عملية جدية لتنقية الذاكرة. هذه الذاكرة الجماعية، لعب الاحتلال السوري للبنان دورًا سلبيًا وبشكل إجرامي في منع وصد أي عملية تصالح بين الجماعات اللبنانية بعد تحوّل الوجود السوري المؤقت الى دائم مما أدى إلى عدم التقدم نحو اتفاق سلام دائم، وذلك عبر مسارين: عدم تطبيق اتفاق الطائف وتسليم السلطة لرموز الحرب وميليشياتها الموالية له، وفرض هيمنته على كل مفاصل الحياة اللبنانية. أما أدوات الاحتلال السوري فكالت المزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان وفرض لغة القتل والاغتيالات لإحكام إطباقها على كل مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية.

أدى الاحتلال السوري والتدخل العسكري في لبنان إلى خلق مناخ من الخوف وعدم الاستقرار الذي صعّب عملية المصالحة الحقيقية. وقد كان في الإمكان إطلاق مسار العدالة الانتقالية والقيام بخطوات نحو الاستقرار السياسي والمستقبل السلمي بعد انسحاب القوات السورية عام 2005، لولا أنه يتعارض مع أيديولوجية ومشروع “حزب الله” الذي يعتمد نفس الأسلوب والنهج السوري للتحكم بالسلطة وتقويض قيام دولة المؤسسات.

اليوم، وبعد مرور 40 عامًا على بدء الحرب اللبنانية أو الحروب على لبنان، أصبح من الضرورة، وأكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، البدء بعملية حقيقية للمصالحة بين الشعب اللبناني، فقد تركت الحرب جراحًا عميقة في المجتمع اللبناني، ولا يزال غياب المساءلة عن الجرائم التي ارتُكبت خلال الصراع، أو قول الحقيقة والتوقف عن إطلاق حرب على “التاريخ اللبناني”، يؤجج الشعور بالاستياء وعدم الثقة بين الفئات اللبنانية. أما سردية حادثة “بوسطة عين الرمانة” التي أشعلت الحرب، فلم تعد تنطوي على أحد. علينا في البداية ولتنقية الذاكرة، أن نسأل، لماذا تم اعتبار 13 نيسان 1975 بداية الحرب، في حين أن الأحداث الأمنية المتفرقة والمواجهات مع الجيش وترهيب السكان بدأت فعلياً في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي؟

لقد حان وقت تحميل المسؤوليات لفهم ما حصل و”قول الحقيقة”، حتى يتوحّد الشعب اللبناني ويتخذ خطوات ملموسة نحو شفاء جروح الماضي وبناء مستقبل أكثر سلامًا وازدهارًا للجميع.

إيلي الياس – باحث وأستاذ جامعي

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

خبر عاجل