#dfp #adsense

الانسحاب السوري تمّ ولكن!

حجم الخط

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1740

الانسحاب السوري تمّ ولكن!

حدود سياسية وجغرافية متفلتة وترسيم أسهل مع “العدو”!

في الـ20 من تموز 1976، قال الرئيس السوري حافظ الأسد في خطابه الشهير لتبرير الدخول العسكري إلى لبنان: “تاريخياً، سوريا ولبنان هما دولة واحدة وشعب واحد، ليتم تجميل هذه المقولة بمعادلة أخرى مفادها: شعب واحد في دولتين”. وقد سعى النظام السوري طويلا إلى توحيد البلدين تحت جناح هيمنته، مبقياً على شكل الدولة اللبنانية، سواء خلال فترة الحرب أو في زمن الوصاية، وفي كليهما كان لبنان محتلا أرضا وقرارا بنسبة أو بأخرى.

على أن خطوة إعلان إقرار العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 15 تشرين الأول 2008، تمت في ظل مناخ دولي وإقليمي ولبناني ضاغط، وبدت أقرب إلى تجاوب على مضض من النظام السوري، باعتبار أن مواقفه وأداءه وتدخلاته لاحقا ناقضت إلى حد كبير مفهوم العلاقات الدبلوماسية بين بلدين مستقلين فعلاً.

اليوم، وعلى رغم الخروج العسكري السوري من لبنان في السادس والعشرين من نيسان من العام 2005، ما زال النظام السوري يراهن على استعادة مقولته القديمة: شعب واحد في دولتين – باعتبار أن مفهوم الدولتين في عرفه لا يرقى الى مفهوم الوطنين – سواء في السياسة العامة من خلال الاستعانة بالقوة العسكرية لـ”حزب الله” أو من خلال ترك الحدود في حالة فلتان مريع، أو من خلال السعي لتحويل النازحين السوريين في لبنان إلى واقع موقت دائم، بما يلغي تدريجا مختلف أنواع الحدود، ويريح النظام في سوريا ويربك الدولة في لبنان ويضعفها.

على أن ما يسعى إليه النظام السوري مستغلا تموضعه في محور الممانعة بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية يناقض عمليا مختلف الحقائق الموضوعية للعلاقة بين لبنان وسوريا تاريخاً وجغرافيا وكياناً وواقعاً سياسياً. فعلى مر التاريخ، فرضت الجغرافيا منطقها على العلاقة الجدلية بين لبنان وما سُمِّي لاحقا بسوريا، باعتبار أن لبنان سابق كياناً وأرضًا وهوية لسوريا، وأهمية الخصوصية اللبنانية بحسب مؤرخين مرموقين، هي أن أهله يُسَمّون باسم لبنان، بدلاً من أن تسمى البلاد باسم أهلها في معظم الحالات.

فاللبنانيون لبنانيون لأنهم ينتمون إلى لبنان الوارد مرارا كمساحة طبيعية تتمايز عن جوارها في العهد القديم من الكتاب المقدس، بينما فرنسا هي بلاد الفرنسيين أو الفرنجة، وإنكلترا بلاد الإنكليز، وصربيا بلاد الصرب، وألمانيا أو جرمانيا هي بلاد الألمان أو الجرمان. أما سوريا فهي تسمية اعتمدها الإغريق لا سيما في عهد السلوقيين في العصر الهللينستي، ثم اعتمدها الرومان كدلالة على منطقة إدارية أكثر منها كوطن وكيان.

والمقصود بسوريا كان بلاد الأشوريين، مع استبدال السين بالشين، كما في الكثير من الحالات في اللغات السامية، بينما يميل البعض إلى القول إن أصل كلمة سوريا يعود إلى كونها بلاد السريان.

ومن الدلالة بمكان، التوقف عند الحدود الجغرافية التاريخية للبنان، المكوَّن في عموده الفقري من سلسلة جبال لبنان الغربية وصولاً الى سلسلة جبال لبنان الشرقية المعروفة تاريخيا ب Antilibanus، وما بينهما سهل البقاع، وهذا هو المقصود بالحدود التاريخية للبنان كما أكد عليها البطريرك الياس الحويك لتكريس لبنان الكبير.

وفي ضوء ما تقدم، إن تمايز لبنان وخصوصيته، بل فرادته، هي واقع لا يقبل الجدل، ولا يمكن للنظام السوري أو لدولة سوريا أيًا كان نظامها، أن تسعى إلى ربطه بها بشكل أو بآخر، فكم بالحري إذا كان السعي يتم بخلفيات تبرير الهيمنة الإيرانية من حدود أفغانستان إلى المتوسط.

لقد خرج النظام السوري عسكريا من لبنان في العام 2005، لكنه ترك “حزب الله” وسلاحه كوصاية بديلة عن وصايته، وما زال حتى اليوم يترك الكثير من الملفات العالقة من دون أي معالجة، أو يفتعل إشكالات ووقائع ليؤكد أنه ما زال حاضرا بوجوه عدة.

والغريب أنه أمكن إنجاز الترسيم البحري جنوبا مع إسرائيل، ولو بقي بعض النقاط المحدودة عالقاص، وذلك برعاية أميركية مباشرة تولاها تحديدًا الموفد الأميركي آموس هوكستين الذي كان يوما مواطنا إسرائيليًا وضابطاً في الجيش الإسرائيلي، فيما لا تحديد ولا ترسيم للحدود بين لبنان وسوريا نظرًا لرفض النظام في دمشق، فضلا عن رفضه الإقرار بلبنانية مزارع شبعا، لتسهيل حل إشكاليتها مع إسرائيل، وفاقا للقانون الدولي، علمًا أن “حزب الله” يحاول عبثا تبرير مقاومته الصورية بحجة المزارع.

وفي المقابل، فإن الخط الأزرق يمثل المشروع الأقرب للحدود اللبنانية الإسرائيلية والذي يخضع للحماية الدولية، بينما مع سوريا لا خطوط زرقا ولا حمرا، بل خطوط هوائية شفافة تترك الحدود متفلتة أمام التهريب الفاضح في الاتجاهين للبشر والمواد التجارية والممنوعات، حدود متفلتة سياسيا واقتصاديا وجغرافيا وديموغرافيا وعسكريا.

لقد استغل “حزب الله” هذا الواقع وما زال أيما استغلال، وبخاصة من خلال الانتقال الحر لآلته العسكرية الضخمة عديدا وعتادا عبر الحدود، وأمام أنظار القوى الشرعية اللبنانية، بهدف إنقاذ النظام السوري وتكريس استقوائه واستغيابه الدولة اللبنانية.

وما معنى وجود علاقات دبلوماسية والكلام على دولتين، فيما النظام السوري يستمر في رعاية حالات فلسطينية شاذة تمثل أبشع انتهاك للسيادة اللبنانية، على غرار معسكر الجبهة الشعبية – القيادة العامة المرتبطة جذريا بدمشق، في أعالي قوسايا ورعيت ودير الغزال في شرقي البقاع الأوسط، حيث يتاخم المعسكر الحدود السورية، وتم تعبيد طريق عبره لتسهيل انتقال المسلحين والسلاح والتهريب، وقد ساهم المعسكر بفاعلية خلال معركة الزبداني في دعم قوات النظام السوري قصفا ورفدا بالمقاتلين والسلاح والذخيرة؟

وما معنى استمرار معسكرات حلوة ودير العشاير الحدودية والسلطان يعقوب في البقاع الغربي ومعسكر أنفاق الناعمة، وهي تابعة للقيادة العامة أو لفتح الانتفاضة التي تضع يدها وتمارس نفوذها بدعم سوري على مساحات واسعة من بعض المخيمات الفلسطينية؟

وهل ننسى ظاهرة تحول فتح الانتفاضة بين ليلة وضحاها الى فتح الإسلام بقيادة شاكر العبسي الذي أفرجت عنه إيران وأعد العدة في سوريا لمعركة مخيم نهر البارد، لينتقل اليه وينفذ الخطة الخبيثة، ثم ليفر مجددا الى سوريا بعدما حسم الجيش اللبناني المعركة بثمن غال واعتبر في حينه السيد حسن نصرالله أن البارد خط أحمر.

وهل ننسى الرسالة المتفجرة التي حملها الوزير السابق ميشال سماحة من دمشق إلى بيروت، والتي لولا اكتشافها لحصلت مجازر بالجملة، على غرار تفجير مسجدي التقوى والسلام في طرابلس على يد أزلام النظام السوري!

صحيح أن النظام السوري اليوم هو بمنزلة الرجل المريض، على غرار ما كانته تركيا خلال فترة تراجع السلطنة العثمانية وصولا الى الحرب العالمية الأولى، لكن الصحيح أيضا أن تماهي هذا النظام مع محور الممانعة هو الذي يجعله في موقع الخطر الأكبر على لبنان، لاسيما وأنه يريد بسعيه لترسيخ وجود أكثر من مليوني سوري في لبنان، التعويض عن احتلاله العسكري البائد من جهة، وتحميل لبنان وزر رهانه على الخلاص منهم تسهيلا للتغيير الديموغرافي في المناطق التي يسيطر عليها مع رعاته وحلفائه.

أنطوان مراد ـ مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل