Site icon Lebanese Forces Official Website

لولا المقاومة اللبنانية لكنا الآن نسيان بنيسان…

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1740

لولا المقاومة اللبنانية لكنا الآن نسيان بنيسان…

شهادات تروي حكاية وطن لا يزول

كانوا مراهقين، في زهر العمر. كانوا أولاد بيوت، في عز الفرح والحياة. كانوا يظنون أنهم يعيشون أحلى أيام الوطن، أحلى أيام حياتهم، وإذ فجأة انقلبت الحياة رأسا على حرب، ووجدوا أنفسهم بلمحة بوسطة، رجالاً كبارًا يحملون البنادق التي لم يحملوها يومًا. وبدل مقعد المدرسة والجامعة، وجدوا أنفسهم سكّان المتاريس يتنشقون البارود قبل الهواء، يأكلون التراب بدل الساندويش، ينامون في العراء بدل السرير النظيف، تعبر في أجسادهم خطوط النار، ويحملون على أكتافهم الفتيّة مسؤولية وطن كبير، وفجأة صار اسمهم “المقاومون”.

كانت بداية السبعينات، كانت الضيعة البقاعية الصغيرة بعيدة، بعيدة جدًا، عن كل ما للسياسة والحروب بصلة. فجأة صرنا نرى الأهل وأصحابهم، يتحلّقون كل ليلة حول شاشة تلفزيون لبنان والمشرق بدل أن يتحلّقوا حول لعب الورق أو “طاولة النرد” كما كانت العادة، وينتظرون نشرة الأخبار ويستمعون بنهم عجيب إليها بدل الانتظار بشغف كبير لبرنامج «أبو ملحم» أو «أبو سليم» وما شابه. فجأة انقلبت الحوارات في البيوت وصرنا نسمع مصطلحات غريبة عجيبة، وصارت ستي كل ليلة تركن الى مسبحتها وتصلي “يا رب ترد عن شباب الكتايب وتنصرن ع الفدائيين”!!

كانت بدأت تتسلّل الى آذاننا أخبار بوسطة عين الرمانة، وصرنا نسمع حكايات وحكايات عن مقاومين شجعان نصبوا متاريسهم عند منطقة الفنادق وساحة البرج والصيفي والجوار. وكنا نحن أبناء الضيعة، لا نعرف كل تلك الأمكنة إلا من التلفزيون، أو من سهرات الأهل من وقت لآخر في بيروت. وذات ليلة، وكانت الحرب في عزّ أوقاتها، رأيت وجه أبي الأبيض يتجهّم ليميل الى السواد وهو يستمع الى نشرة الأخبار «بدن يحتلوا لبنان هني والسوريين… الله يحمي الشباب. ضاع لبنان” قال أبي. كانت يومذاك معركة الفنادق، وكان الموت ينهمر على بيروت من الاتجاهات كافة. كان الفلسطينيون والمرتزقة والأحزاب اليسارية المتضامنة معهم، يقاتلون بشراسة، أرادوا أن تمرّ طريق فلسطين من جونية وأن يحمل ياسر عرفات بأصابعه شارة النصر الشهيرة تلك، وكانت المقاومة اللبنانية تريد أن تعود فلسطين الى فلسطين وأن يبقى لبنان للبنان.

 

أيام بشعة بس مشبعة بالكرامة

“بلشت المقاومة بعمر 17 سنة بعدما انتسبت لحزب الكتائب، بلشت الحرب بالـ1975، ووصلت إلينا الأوامر بضرورة الالتحاق بجبهة الأسواق والفنادق. هناك خضنا معارك شرسة وخطرة جدًا، وبدأت مسيرتنا الصعبة الشاقة مع المجموعات الفلسطينية المسلّحة وأعوانهم. لم تكن المعركة بين مسلم ومسيحي، بل بين مشروعين متناقضين، مشروع لبنان أولاً الذي نادى به بشير الجميل، ومشروع طريق فلسطين تمر بجونية. سلَّمني البشير يومذاك المسؤولية العسكرية عن منطقة الصيفي، وكان في وجهنا غير الفلسطينيين المسلحين، المرابطون من جماعة ابراهيم قليلات، والشيوعيون والقوميون وكل المجموعات اليسارية الداعمة للفلسطينيين والسوريين، خضنا معارك شرسة وواجهناهم بشراسة، وخصوصًا في منطقة الفنادق، وكنا نواجههم باللحم الحي، إذ لم نكن مسلّحين كفاية وأقوى أسلحتنا كانت “الكلاشين”، في حين كانت تنزل علينا حمم القذائف، ومع ذلك واجهناهم وصمدنا” يقول المناضل إيلي عواد الذي عاد وانضم الى “القوات اللبنانية” حين أسسها البشير. وأنيطت به عدة مسؤوليات عسكرية. ويضيف: “ذات يوم قمنا بعملية نوعية كلفنا بها البشير وهي اختراق أحد الشوارع حيث كان الفلسطينيون يتقدمون لزرع متاريسهم، فاقتحمنا المنطقة بشراسة واستشهد معنا شاب وأصيب ثلاثة آخرون إصابتهم كانت بليغة، لكننا انتزعنا منهم المتراس. كانت أياما صعبة لكن مشبعة بالكرامة والشجاعة اللامتناهية، وهذا شعور متناقض لا يفهمه إلا من قاتل على الجبهات، أي شعور الارتواء من الأرض والوطن” يقول عواد.

“هل تعيد الكرّة إذا ما اندلعت الحرب مجددًا؟» ومن دون تردد يجيب «أنا اليوم ما زلت في النضال، وناشط جدًا في منسقية بيروت، وعلاقتي بالحكيم وطيدة فهو رفيقي منذ العام 1973، وإذا تكررت الحرب أعود الى الجبهات بالتأكيد، وهذه المرة سيرافقني إبني… أفتخر بأنني حملت بارودة المقاومة، فنحن لم نقتل على الهوية كما يشيعون، ولم نقتل للهواية أو الانتقام، نحنا ولاد بيوت ومؤمنين بالله وببلادنا، ولمّا حملنا البواريد كنا ندافع حتى الاستشهاد عن وطننا وأنا فخور بما كنت عليه وهيك رح إبقى، مقاوم بـ”القوات اللبنانية” على سن ورمح”.

في حرب زحلة انقلبت المشهدية، الضيعة البقاعية الصغيرة كانت بدأت تسمع أصوات المدافع، وكان الأهل صاروا من سكان بيروت شتاء بسبب المدارس، كانت الأشرفية في حال غليان، أصوات مدافع السوريين لا تهدأ، وهدير البشير عابق كرامة في كل الزوايا والساحات. وذات يوم أحد، يتوسط كاهن الرعية المذبح في كنيسة الشحروري ويطلق نداء غريبا “منطلب من الأهالي يدعموا شباب زحلة المقاومين، ابعتوا الأدوية والمونة وكل يللي بتقدروا عليه. الشباب عم يقاتلوا فوق لآخر رمق حتى يحرروا زحلة ونحنا لازم ندعمهن»، وبدأ البكاء في الكنيسة والدعاء والصلوات الحارة، وفي المساء أطلق البشير نداءه الشهير للمقاومين هناك “إذا اخترتم الاستسلام ستنجون بحياتكم أكيد لكن ستموت المدينة، وإذا قرّرتم المواجهة ستربحون كرامة مدينتكم وكرامة المقاومة…» وبدأت ملحمة المواجهة في زحلة، المقاومون مع الأهالي من قلب المدينة في وجه هولاكو العصر حافظ الأسد وجيشه الجرار الحاقد على لبنان ومقاوميه من جهة، والمقاومة اللبنانية والأهالي من الجهة المقابلة. كانت معركة لبنان في وجه احتلال بشع حاقد زرع الأرض نارًا ودمارًا وموتاً، لكنه وعلى رغم فائض القوة ذاك خسر وتراجع ليلاً أمام نخوة وشجاعة أهل الأرض الأبطال.

 

ملحمة صمود في زحلة قلَّ نظيرها

“بلشت الحرب كنت زغير. أنا مواليد الـ1964، كان الوالد مسؤولاً بحزب الكتائب، من هون انطبعت بذهني وضميري فكرة المقاومة، وتدرّجت بنا الحياة الى أن وجدت نفسي من بين هؤلاء المقاومين، ووجدت نفسي أيضًا أسيرًا مع رفاق الدرب الصعب في تلك الجرود الصعبة في اتجاه زحلة”، يقول رئيس جهاز الشهداء والأسرى والمعوّقين، شربل أبي عقل.

“في حرب زحلة كنا بدأنا التدريب مع الحكيم بالقطارة، كنا مجموعات احتياط نخدم عند الجبهات، كنت تلميذا في الـ17 من عمري، فاستدعونا الى حرب زحلة، ونقلونا بالبوسطات من جبيل الى جعيتا، وهناك شرح لنا الحكيم ماذا يجري في زحلة، كان لبنان كله جبهات مشتعلة، والسوريون يزرعون الأرض حممًا وقصفاً، لكن زحلة أخذت بعدًا مختلفاً لأنها كانت محاصرة من الاتجاهات كافة، وفعل السوريون المستحيل لإخضاعها واحتلالها. انطلقنا نحو 200 شاب من جبيل نحو جعيتا، وأخذنا معنا ما يمكن حمله من ذخيرة وعتاد، ومن هناك بدأنا الرحلة الشاقة باتجاه كفرذبيان. مشينا على التلج الذي لم يكن ليتوقف، في النهار كنا نغرق كمن يمشي في رمال متحركة، وفي الليل يحاصرنا الجليد والصقيع، لكن لم نتراجع، ولما وصلنا الى مشارف زحلة عند الشير الأحمر كشفنا السوريون، وبدأوا بالقصف المركّز علينا، فاستشهد لنا في البداية الرفاق نجا خوري ونبيل رحمة، وكان مرافق الحكيم الشخصي، وكان بعيدًا عنه أمتارًا قليلة واستشهد أمام أعيننا. كانت لحظات قاسية جدا، لكن أكملنا الطريق، على وقع القصف المتواصل وأخبار بطولات رفاقنا في المدينة تصل إلينا تباعًا، ووصلنا الى زحلة، ووجدنا الشباب في عرس المواجهة، أبطال شجعان لا يهابون، معنوياتهم تهد الجبال، إيمانهم يحلّق مع غيوم السماء، كانت ملحمة صمود قلّ نظيرها، شي رائع لا يمكن وصفه، راقبته التلفزيونات العالمية وحُكيَ ما حُكيَ عن صمود المقاومة اللبنانية والأهالي في زحلة، ما أدى الى انسحاب جيش حافظ الأسد مهزوما»، يقول ابي عقل الذي لم ينس تلك اللحظات الخالدة في تاريخ المقاومة. ويضيف: «أخدنا قرار الصعود الى زحلة أو حتى خوض كل تلك المعارك التي خاضها المقاومون منذ حرب الـ1975 وحتى التسعينات، لأن وجودنا الحر كان مهددًا بشكل مباشر. ولا مرّة كنا هواة حرب، كلنا ولاد عيل وكلنا كنا قاعدين بصفوفنا بالمدارس والجامعات لتحصيل علمنا وعم نحلم بمستقبل حلو ومرتاح متل كل الناس، لكن ما كان بإمكاننا البقاء في مقاعد «الجمهور» ووجودنا الحرّ مهدد وكذلك كياننا، وانتظار من سيأتي ليلغينا من الوجود او يمحينا من الجغرافيا والتاريخ. هالموضوع بالنسبة إلنا كان خط أحمر، وإذا عادت الأمور وتكررت في ذاك الاتجاه لا سمح الله، سنخوض نفس التجربة، وهذا لا يعني أننا إذا اتخذنا هذا القرار فإن أيادينا تكون ملطخة بالدماء كما يقولون، ليش المهاجمين كانوا عم يصلّولنا؟ وأكبر دليل هي المجازر التي ارتُكبت بحق اللبنانيين في كل لبنان، هل رشقونا بالورود في الأشرفية والدامور وقنات وسواها؟ نحن دافعنا عن أنفسنا، دافعنا عن وجودنا السياسي والإنساني الحرّ، لسنا هواة حرب ولا نريد لها أن تتكرر، لكن إذا جوبهنا بالأسلوب إياه سنواجههم بأسلوبهم”.

 

أشرف مقاومة عشتها على الجبهات

لمّا اندلعت حرب زحلة، ظنّ اللبنانيون أن المدينة آيلة الى سقوطها الكبير بين أيادي حافظ الأسد ذاك. ما كانوا يعلمون يومذاك أن ثمة أبطالاً صنعوا حتى من الموت حكاية حياة، لأنهم امتهنوا الشجاعة والشرف، فزحفوا صوب زحلة لتكون للتاريخ واحدة من أكبر حكايا البطولات التي تقارب الأسطورة. “لمّا وجه البشير نداءه تم استدعاء سرية من وحدتنا وتجهيزها على وجه السرعة، الوجهة كانت عيون السيمان، هيك بُلِّغنا، ليستقر الرأي لاحقاً على تمركزنا مع سريتين أخريين في بسكنتا دير زرعايا. كان الثلج عدونا الأول والضباب الكثيف ثانيًا، وكانت أصوات المعارك تصل الى مسامعنا من ناحية الغرفة الفرنسية والمصاطب، وأصوات مدفعيتنا كانت تدك مواقع السوريين بكل ما أوتيت من قوة. أقفل جيش الاحتلال السوري الطرق كافة الى زحلة، وسيطروا على الغرفة الفرنسية، بعد قصف عنيف وإنزالات متكررة بالطوافات، فارتأت قيادة الأركان أن نبقى في صنين وباكيش حيث خط دفاعنا الأول، وإقامة كمائن تحسبًا لإنزالات مباغتة من خلف خطوطنا. استمرت مهمّتنا تسعة أيام ولم نصل الى قلب زحلة، وبقول يا ريت يا ريت وصلنا عند رفاقنا»، يقول المناضل فادي عازار الذي واكب جبهات الشرف مثل رفاقه منذ عمر المراهقة، وكان بيته المتاريس والجبهات، وما زالت بدلته الزيتية معلّقة على شرف أيامه في النضال من ضمن صفوف «القوات اللبنانية”.

لكن أياديك ملطخة بالدماء يا رفيق!! يسكت قليلاً هو الذي حمل البارودة والقلم أيضا، إذ ما زال يدوّن عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي يوميات من تاريخ أشرف مقاومة عاشها مع رفاقه على الجبهات كافة، ثم يجيب “مبارح وقبل ألف سنة، وبكرا وبعد مئة ألف عام، كل واحد بيعتدي ع كرامتنا وع كرامة بلادنا منشرب من دمو. هالقد حقها”.

هي بعض قليل قليل من حكايات أبطال سطّروا في سجل لبنان، بطولات لو لم تكن لصار لبنان وطناً بلا تاريخ، بلا حكاية، وطناً لا يستحق أن يكون أرض القديسين والشهداء، وطناً لا يعبق فيه بخور وادي قنوبين، حيث لجأ المقاومون عبر التاريخ وحفروا في وعر الصخر حكاية وطن مناضل لا يزول، صنع من المقاومة والصلاة والقداسة والاستشهاد منظومة إيمان قلّ نظيرها. هؤلاء هم بعض من أبطال المقاومة اللبنانية التي لولا بنادقها، لولا متاريسها وجبهاتها، لولا الأيادي المغمسة بالكرامة والشرف، لكان تاجنا الآن هو العار وليس أقل، ولكان ضاع لبنان وكنا صرنا حكاية من حكايا النسيان في كل نيسان… لولا المقاومة اللبنانية.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version