#dfp #adsense

عيد الصحافة… أقلامنا دائماً مروّسة

حجم الخط

اليوم عيدنا! عيد الصحافة. شعور جميل أن نكتب عن حالنا، وكنت أحب أن يكتب أحد ما عنا! لكن كيف نكون من أصحاب القلم ولا ندلل أنفسنا ولو ليوم واحد في السنة؟!

ندلل أنفسنا؟ هذا كثير، هذه رفاهية ما عاد بالإمكان أن ننالها في وطن كان اسمه وطن الحريات وصار معتقلاً كبيرا لها ولنا ولكل الأحرار.

في لوحة زيتية شهيرة للرسام اللبناني المبدع مصطفى فروخ، تجلس سيدة لبنانية تلفّ شعرها بمنديلها القروي العتيق، وتحيك على مهل وبإبرة رفيعة، العلم اللبناني تحت أنظار طفلتها. لوحة ناطقة، قطبة قطبة تطرِز تلك السيدة علم لبنان، وتحيكه بدقة متناهية. هكذا وعلى مر السنين وتعاقب الاحتلالات، حيّك شهداء لبنان حكاية هذه الأرض المضرّجة بالدماء والبطولات.

كأننا ولدنا لنستشهد. كأننا ولدنا لنبقى مشاريع شهداء، سواء أكنا مناضلين شجعان أو صحافيين أحرار. 6 أيار عيدهم، عيدنا. قلمنا للحقيقة والحقيقة دائماً تدمينا في وطن امتهن غالبية حكامه الكذب والذل. كأننا ولدنا في وطن قدره المقاومة، بالبارودة حيناً بالموقف أحياناً وبالقلم دائماً.

كان 6 أيار من العام 1916، ذكرى شهداء الاحتلال العثماني للبنان، الذين واجهوا السلطنة العثمانية وبطش جزارها أحمد باشا، فعُلّقت مشانق 14 بطلاً من أهل الفكر والقلم، في ساحة البرج التي صارت لاحقاً ساحة الشهداء تكريماً لشهادتهم، وبعد سنين صار عيد الصحافة. كلها شهادة، كلها مقاومة معمّدة بالمواجهة حتى الموت.

بعد مجزرة العثمانيين بحق أهل الفكر والصحافة، لم تقف الاغتيالات عند هذا الحد، لا بل صار اغتيال الصحافيين في لبنان نهجاً يعتمده المحتل لقمع الفكر الحر، ولتحويل لبنان عن مساره التاريخي كوطن الحرية ومنبع الأفكار الثورية الكبيرة. من زمن الاحتلال العثماني وصولاً الى المحتل السوري وحتى اليوم حيث تحتلنا أكبر منظومة فاسدة مستقوية بترسانة عسكرية إيرانية، لا يزال الصحافيون هدفاً لهمجية المحتل، وآخر ضحاياها كان لقمان سليم.

في تاريخ شهداء الصحافة تعبر أسماء وأسماء، نسيب المتني، كامل مروة، سليم اللوزي الذي تعرّض لأبشع أنواع التعذيب، نقيب الصحافة اللبنانية رياض طه. في زمن الاحتلال السوري كانت الاغتيالات فاقعة، “هيك عينك بنت عينك”، القتلة معروفون والعملاء واضحو المعالم، ولم يبالوا. استشهد سمير قصير فحمل نعشه جبران تويني، وبعد أيام صار تويني هو نفسه شهيداً، أي مفارقة مفجعة تلك! حاولوا اغتيال مي شدياق ومروان حمادة ونجيا، لكنهم تمكنوا لاحقاً من لقمان سليم، فانضم الى شهداء الكلمة والموقف. لم تقف الأمور عند هذا الحد الدامي، بل وعلى مرّ الاحتلالات، يتعرض الصحافيون للتهديد والترهيب والاعتقال أحياناً. تاريخ مجيد مطبوع بالاستشهاد، مقاومون وصحافيون وأصحاب القلم والفكر الحرّ عموماً، في وطن كان اسمه “وطن الحريات” واذ به يتحول الى معتقلها، وطن صارت أرضه لا تجذب الا أقدام المحتلين الهمجيين ومعهم قافلة من العملاء، يشربون من ماء هذه الارض ويأكلون من خيراتها ويقدمون خدماتهم للغريب على حساب الوطن وأقلامه الحرة وناسه الأحرار، فكيف تبقى تلك أرض الحريات؟ لا أعلم…

في زمن الاحتلال السوري تحديداً، كنا وزملاء كثر رأس حربة، كنا نكتب الحقيقة ولا نهاب، بقيت أقلامنا مروّسة على الرغم من التهديدات والملاحقات، بقينا أصحاب الفكر الحرّ وسط سجن الحريات والملاحقات. كان النضال مشرِفاً ولا يزال. ليس أجمل من أن تكون صحافياً لأجل حرية الوطن، وأن يكون حبرك دمغة وسط ذاك العلم المطرز بدماء الأحرار. ليس أشرف من أن يكون القلم معمّداً بالكرامة ومغمّساً بتراب الأرض يكتب بحبر النضال حكاية وطن الرسالة وطن الشهداء والقديسين. كنا أحرار وسط النار، والذئاب من حولنا يتكاثرون وصمدنا.

تغير اليوم وجه الاحتلال، صار أكثر شراسة وخطورة، احتلال يريد أن يغير وجه لبنان كلياً، وبقينا الكلمة والموقف الحر المضاد. القلم، إيمان من إيمان الرب، القلم رسالة من رسالة المسيح على الأرض، القلم بارودة أكثر فتكاً حين تكون الحقيقة في وجه الكذبات الكبيرة، لكن هل لا يزال لبنان وطن الحريات فعلاً؟

في عيد الصحافة كَثُر حاملو الاسم وقلّ الصحافيون، ندرت الأقلام الحرة وكثر التجار، ومع ذلك نبقى تلك القطبة غير المخفية في تطريز العلم، اذ لا علم من دون وطن حر، ولا وطن حر من دون اقلام تصرخ في وجه الاحتلال وتقاوم حتى الاستشهاد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل