#dfp #adsense

الأزمة في إسرائيل عنوانها نتنياهو

حجم الخط

كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1740

الأزمة في إسرائيل عنوانها نتنياهو

مشروع “مقاومات” راديكالية بديلة

تعاني إسرائيل من أزمة حكم حقيقية في الوقت الحالي، دون أن ترقى إلى مستوى الأزمة الكيانية. الكيان باقٍ على الرغم من السرديات العروبية والإسلامية و”المقاومتية” التي غالباً ما تروّج لترّهات شعبوية للاستهلاك المحلي. الكيان قوي وعماده الجيش. أما المجتمع والسلطة ففي حالة مقلقة وسط ازدياد الاستقطاب الداخلي وتغيّر شكل التهديدات الخارجية.

 

لن تطول أزمة الحكم الإسرائيلية على الرغم من تشعباتها وآثارها، فالخلافات في إسرائيل اليوم ليست بين حزب وآخر، أو بين يميني ويساري، أو حتى بين “الأشكنازي” و “السفرديم”. الخلاف مختلف هذه المرة وعنوانه واضح وهو بنيامين نتنياهو.

يتمسك رئيس الحكومة الإسرائيلية بالسلطة كما يتمسك طفل بألعاب العيد، حتى وإن كلف الأمر أزمة حكم وطنية عميقة. يوم شاكس وزير الدفاع يوآف غالانت نهاية شهر آذار الماضي، جرده نتنياهو من وزارته، فامتلأت ساحات تل أبيب بالمتظاهرين الغاضبين. أما الأحزاب الحليفة له، فتنصب له الأفخاخ وسط معرفتها السابقة بحاجة نتنياهو لها لتثبيت حكومته وحكمه.

نتنياهو الحالي ليس نتنياهو السابق على جميع الأحوال. يبدو ضعيفاً وواهناً، يسير بين ألغام الأزمات الداخلية، ومشاكسة الحلفاء وغياب القدرة على الحكم بشكل جدي. في الماضي، كان حليفه الأميركي داعمه الأساسي، كما كانت شركات اللوبي اليهودي العالمية تكدّس الأرباح وتدعمه بسخاء وبشكل علني. أما اليوم، فما عاد الحكم الأميركي حليف نتنياهو، فيما الأزمة المالية العالمية تجعل من كل رأسمالي يبحث عن خلاصه الشخصي. تغيّرت موازين اللعبة ومقدار القدرة والدعم بالنسبة لرئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي، لكن من دون أن يعني ذلك أن موازين القوى العسكرية بين إسرائيل ومن تبقى من أخصام لها في منطقة الشرق الأوسط قد تبدلت كثيراً.

الخصم الإيراني غارق في أزماته الاقتصادية، ويعيش حالاً من السكينة من دون إطلاق المواقف العالية النبرة في الوقت الحالي، فكل ما يهمه الآن هو انفتاحه على السعودية وبدء التفاوض معها لحل المشاكل والأزمات في دول الشرق الأوسط، من دون أن يعني ذلك أنه لن يتلقى في سوريا الضربات العسكرية الأسبوعية وشبه الروتينية من الطيران الحربي الإسرائيلي. أما الخصم السوري، فغارق في فوضاه وضعفه ويتقن فن الصبر والتسوية الهادئة التي يبحث عنها مع الرياض للعودة إلى الحضن العربي. ولّى زمن التكابر والصراعات الكيانية والوجودية ومحو الكيان ورمي اليهود في البحر. حلم طهران بات محدوداً ولا يتعدى أن يُفتح باب أمامها لتخطي العقوبات الغربية، فيما حلم دمشق أن تُفتح نافذة أمامها لتتنفس الصعداء وتثبت شرعية حكم آل الأسد.

أما لبنان، فدولته في حال شلل وغيبوبة شبه كاملة، فيما الجنوب كاد أن يتحوّل إلى مسرح للمواجهة الجدية مع إسرائيل في السادس من نيسان الماضي، حين أطلق حوالى 100 صاروخ عشوائي لم يصب أي منها شيئاً ذات أهمية داخل إسرائيل. لم يتبنَ “حزب الله” إطلاق الصواريخ كما لم تتبنّها كذلك فصائل حركة “حماس” العاملة في لبنان. بقيت الصواريخ يتيمة من دون صاحب وتبحث عن متبنٍ لن تجده قط. حتى إسرائيل نفسها لم تكترث جدياً لتلك الصواريخ، فكان ردها عاديًا واقتصر على بعض الطلقات المدفعية والطلعات الجوية والتصريحات العسكرية المهددة والمتوعدة.

يبقى السؤال عن دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها، فكيف نُصبت بضع منصات إطلاق صواريخ على أرض الجنوب من دون معرفتها؟ وكيف لم تجرِ تحقيقاً جدياً بالأمر؟ ماذا تفعل مؤسسات الدولة الأمنية إن لم تكن قادرة على معرفة أو إيقاف حركة عشرات المقاتلين الذي تولّوا تحضير وإطلاق الصواريخ؟

أمام الأزمة اللبنانية الداخلية، تبدو هذه الأسئلة تافهة وعادية في آن. لكن ألا يطرح غياب الدولة سؤالاً عن المخاطر المرتفعة على أمن لبنان ككل وسلامته إن تكرر خرق إطلاق الصواريخ من جهة، تتلوه مغامرة جديدة من نتنياهو عبر ضرب لبنان عسكرياً أو ربما اجتياحه، من جهة أخرى؟

على مقلب المعارضين للكيان الإسرائيلي يتراجع وهج الحركات الراديكالية أمثال “حزب الله” وحركة “حماس”. يقابل هذا التراجع تقدم بطيء لأنواع أخرى من النضال العسكري ضد إسرائيل. ما عادت “حماس” تطلق الصواريخ من قطاع غزة بشكل جدّي، بل يتولّى أشخاص ليس لهم ارتباطات سياسية أو حزبية واضحة، تنفيذ عمليات أمنية داخل إسرائيل، وهي جلّها طعن يهودي أو دهس إسرائيلية عجوز أو ذبح آخر. عمليات أمنية خارجة عن المألوف والمنطق وأبسط حقوق الإنسان، ينفذها أناس راديكاليون أكثر راديكالية من حركة “حماس” نفسها.

على المقلب اللبناني، تراجع دور “حزب الله” ووظيفته كحركة مقاوِمة ضد إسرائيل. جبهة الجنوب هادئة أغلب الوقت منذ العام 2006. 17 سنة من دون قتال مباشر مع إسرائيل، تنامت خلالها المعارضة اللبنانية والعربية لـ”حزب الله” ودوره الداخلي والخارجي، كما يتنامى، في الخفاء، الامتعاض من توقف المقاومة من مَن هم أكثر راديكالية ضد إسرائيل من “حزب الله” ذاته.

ما المعنى من وجود “مقاومة” تريد تدمير إسرائيل وتحرير “بيت المقدس” وتطلق شعارات تحريرية باتت أقرب إلى الخيال منها إلى عالم الواقع، وهي ممتنعة طوال 17 عامًا عن قتال إسرائيل؟ هناك جيل كامل من مقاتلي “حزب الله” لم يطلق يوماً رصاصة واحدة تجاه إسرائيل. وما الذي يمنع ظهور “مقاومة” بديلة أكثر راديكالية على هوامش تردد “حزب الله” وتلكؤه في محاربة إسرائيل؟

من يدري، ربما نرى في المقبل من الأيام ظهور حركة بديلة عن “حزب الله” في الجنوب أكثر راديكالية منه في مجال الصراع مع إسرائيل. هذا طبعاً إن لم يخنقها الحزب في المهد قبل أن تصبح ذي مقدرة وأثر.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل