Site icon Lebanese Forces Official Website

مار نصرالله بطرس صفير أبانا حتى منتهى الأزمان

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1740

ونحن الذين لجأنا إلى مغاور قنوبين العُليا ومغاورِ السِّدرِ الأعلى في عهدِ هذا الزّمن البائس ليبقى لنا إيمانٌ جاهرَ ويُجاهرُ بأنَّ كلَّ نَبرةٍ عاليةِ السقفِ من نبراتِ تصاريحكَ المُدوَّنةِ بحبرِ الميرون في ذاكراتنا، قد بنى فينا صرحًا مدماكُه هامتُكَ وجدرانُه جبينُكَ وسقفُه يتمدَّدُ بين إسكيم مارون وتاج يوحنا مارون لأجل أن يسلمَ لنا لبنانٌ قد حملتَه معكَ يوم ارتفاعكَ على نَغَماتِ النَّشيد الآراميِّ العريق: “لتنفتحَ أبوابُكِ يا أنطاكيا العُليا”. حمِلتَ لبنانك لبناننا داخلَ حقيبةٍ أسراريَّةٍ كأسرار الكنيسة السَّبعةِ ولم تفتحْها إلاَّ في حضرةِ مَن وعدَنا يوم صعوده إلى يمين الآب بأنَّه لن يتركنا يتامى بل سيُبادرُ إلى إرسال الروح المُعزّي، هو ذاتُه روحُ الحريَّةِ والشهادةِ الذي عضدكَ أيام كنتَ تُقدِمُ على حَفرِ جبلِ الإحتلال الأسود بإبرةٍ ثاقبةِ الحَفرِ مسبوكةِ المَعدَنِ من ذات مسامير ثلاثة حَفَرت عميقًا في يدينِ وقدمينِ مصلوبتينِ قد مَزَّقت ستائر الأكفانٍ وطوَّقَت مآميرَ القبورِ وحرّاسَ الموتِ، وخَرَّجت داخل ضريح الجمعة العظيمة ربوةَ أجراسٍ تفتَتِحُ للإنسانيَّةِ الجديدةِ جميع إحتفالاتِ القيامة!

لأنَّ الرّاعي الصّالحَ يعرفُ رعيتَه ورعيَّتُه تعرفُه وتميِّزُ وجههَه وصوتَه كما الآب يعرفُ وجه الإبنِ، والإبنُ يميِّزُ صوتَ الآب، فها نحن أبناء وأهلُ وشعبُ رعيتِكَ البطرسيَّةِ الصفيريَّةِ ما زلنا حتى السّاعة لا نَعرِفُ وجهةَ أمانٍ إلاَّ من خلالِ وضوح تعابير وجهكَ الأيقونةِ، ولا نُميِّزُ غير صوتِكَ عابرًا إلينا من معابرِ ملكوتِكَ، ذلك الصّوت الذي طالما احتمينا به كما احتمى أحرار أورشليم العتيقةِ بصوتِ يوحنا المعمدان الصَّارخِ بوجوه الملوكِ وحُجّابِ الملوكِ، المُتجرِّئ على الوُلاةِ وحرّاس الوُلاةِ. وهل كان لساحاتِ بلاد الأرز ثورةٌ وثوَّارٌ لو لم يَقُدْ قائدٌ عاصٍ حتى الجنونِ بقيادة نفسِه ليكونَ على مَقرُبَةٍ من رفاقِ المجلودين حتّى العَظمِ المرفوعين فوق صلبان البلانكو داخل سراديبَ وزنازينَ مكتوبٌ على أبوابِها الكالحة: “السّماء ليست على السَّمع.. الله ليس موجودًا هنا.. وهل كان لساحات موطنِ أرز الرب ثورةٌ وثوّارٌ يا أبانا لو لم يقتحمْ صوتُكَ الأعلى بلاغةً وتبليغًا آذانَ ومسامِعَ مسؤولين مهزليين يعملون مُهرِّجي نُمَرٍ زرقاء ومراتب وزارات داخل بلاط والي الشّام بذلك السؤال الذي لوى الفولاذ: «وأين يقعُ هذا قصرُ المُهاجرين”؟؟!!

 

يا صاحب غبطة كرامتنا وحريتنا وسيادتنا

19 نيسان 1986 وقعت قُرعةُ الإنتخابِ عليكَ لتكون السّادس والسبعين في سلالة آباء الكنيسة البطرسيّة الأنطاكيّةِ المارونيّةِ، وقد قيل يومها إنَّ انتخابَكَ كان نتيجة تسويَّةٍ وسطيَّةٍ في معركةٍ إنتخابيَّةٍ إستعرَت بين أسقفين يُعتبرانٍ من «المطارنة الأقوياء»، الأول هُمِسَ بأنَّه مُرشَّح «روما من فوق».. أما الثاني فقد تمَّ الإيحاءُ بأنَّه يحظى بثقة ودعم مرجعيَّةٍ زمنيَّةٍ فاعلةٍ في وجود وصمود المُجتمع المسيحيِّ .. لكنَّ الأقنوم الثالث الروح القدس قد قال يومها ذات قول الأقنوم الثاني الإبن بأن الربّ الآب طالما اختار الضُّعفاء ليخزيَ بهم الأقوياء!

يوم 19 نيسان 1986 أشرف روح الحكمة والمشورة الصّالحةِ شخصيًا على نافذةِ مدخنةِ صرحِ مجد لبنان لحظة تَصاعُدِ أبيض دخانٍ بشائريٍّ كان غيمةَ بخورٍ سابحةً من فضاء دير العاصي وكفرحَي ويانوح وإيليج وقنوبين، رسمت قامتَكَ البطريركيّةَ رسمةَ أسلافٍ لكَ عصيُّهم خشبٌ ونفوسهم ذَهبٌ وصولجانُهم غصنُ سنديان وتاجُهم قبة جرس محبسة. وفي تلك اللحظةِ الآسرةِ المؤثِّرةِ المساويةِ لجيلٍ كاملٍ وقفتَ مع كلمتَك البطريركيّة الأولى أمامَ إخوتِكَ أساقفة المجمع الإنتخابيِّ البطريركيِّ تُصارِحُهم مصارحَةَ الودعاء بالروح: “قد أنتخبتموني وأنا لستُ بألمعكُم ولا أعلمِكُم، ولا بأقدركم ولا بأوجهكم، لكنها إرادة الله”.

ولكن طيلة أعوامٍ كان خلالها الوطنُ اللبنانيُّ كيانًا وحدودًا ومؤسَّساتٍ نموذجًا مُطابِقًا لسفينة تلاميذ المعلم المُطوَّقةِ بتلاطم الأمواج في أقصى وأقسى هيجانِها، وتقاذفِ الأعاصير بتخبُّطِ اتِّجاهاتِها، فكنتَ أنت وحدكَ بشهادة الرب والحقّ والتاريخ ألمعَ وأعلَمَ وأقدرَ قبطانٍ يزجُرُ صَخبَ ذلك البحر الأسود القاتم، ويُسكِتُ زمجرة تلكَ الريّاح الرعناء حتى وصول لبنان إلى يوم جلاء 26 نيسان 2005، ذلك اليوم الذي صنعه الرب وصنعتَه أنتَ وقد كان حُلُمًا مِن أضغاثِ الأحلام وتُخيُّلاً من سابعِ مستحيلات التخيُّلات والتوهُّمات!

 

أبانا الذي في قلوبنا

من مآثر المُعلِّم الرب عند توصيفه ميزة الرُّعاةِ المُلهَمين المُلهِمين راعٍ كُليّ العدلِ والإنصاف والأمانة يوم يُقيمُ الخرافَ عن يمينِه والجِّداء عن يساره منهم لملكوتٍ ومنهم لجحيمٍ وليسَ من مؤتمنٍ على حظيرة السماء والوطن يذبحُ الخروفَ في مسالخِ التَّعميمِ والتَّعتيمِ ويعلفُ الجديَ النطّاحَ لتنمو قرونُه ويستشرسَ في نَطحاتِه .. الوطن لبنان وشعبُ لبنان المُنتَخبُ المُستحقُّ رعايتكَ السماوية طريقُه المستقيمة التي لا تؤدي إلى الهلاك خاتمتُها تعليم الرب يسوع: «ليكُن كلامكم نعم نعم ولا ولا». وتعليمُكَ لنا قولَ: “قد قُلنا ما قُلناه”.

ومن وحي قد رأينا ما رأيناه، فإنَّنا كأبناء بررة صادقين لأمنا الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية نتمنَّى يا أبانا مار نصرالله وبرجاءٍ بنويٍّ على مذهب رجائِك وشفاعتِك ألّا نُفجَع بمنظرِ مُتصدِّرين لصفوف القداديس الأمامية هم أقربُ إلى هيرودسَ يوم يتصدَّر صفوف ذبيحة قداس عيد قطع رأس يوحنا المعمدان!

 

أبانا السراج المرفوع فوق مكيال أنطاكيا وسائر المشرق

“بكركي من عركي لعركي” بوابتُها محروسة عبر أجيال 1600 سنة بعَصا وعُصاةِ يوحنا مارون، وبشَيلةِ قربان إرميا العمشيتي، وبرمح دانيال الحدشيتي، وبصليب إرميا الدملصاوي، وبوثيقة دماء جبرائيل حجولا، وبتاريخ أزمنة إسطفانوس الدويهي وببيان 20 أيلول نصرالله صفير الريفوني!!!​

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version