
عند كل استحقاق وكل محطة تتكرّر عبارة نريد مسؤولاً “لا يخجل حاضرُه من ماضيه”، وعلى الرغم من أن صفحة الحرب قد طُوِيَت وعفا الله عمّا مضى، لا تزال هذه اللازمة تتكرّر على ألسِنَة مَن لا يزال ماضيه يُستحضَر في كل ممارساته السياسية العسكرية وحتى التشريعية بوجه من يوالي قيام دولة القانون والمؤسسات وتسيير أمورها بما يتناسب مع الدستور. والأمثلة على ما نقول كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، رئيس مجلس النواب ورئيس حركة “امل” الحالي نبيه بري.
يحارُ المرء كيف يفصِل بين رئيس مجلس النواب ورئيس حركة “امل”، وكيف يفصل بين رأس السلطة التشريعية وركن 8 آذار، ولكن تبقى العبرة في التجربة وفي التنفيذ.
فالأستاذ بري كان وزيراً لفترة طويلة منذ العام 1984 وحتى العام 1992، ورئيساً لمجلس النواب منذ العام 1992 وحتى الساعة… ولم تسقط صفته الحركية التنظيمية حتى اليوم.
وفي ماضي حركة “أمل” وبري حروب كثيرة خيضت ضد الفلسطينيين وبقية اللبنانيين من كل الطوائف، وصولاً الى الطائفة الشيعية، قبل أن ينتهي صراع أمل ـ الحزب في العام 1990 برعاية إيرانية سورية.
صحيح أن دولة الرئيس برّي ليس مستفزّاً بقدر “الحزب” لكثير من اللبنانيين، ولكن الصحيح أيضاً أن الرئيس برّي لم ينفكّ يوماً عن “الحزب” ولا على أن يكون ملحقاً ومغطِيّاً للحزب والمحور ومعبّداً لطرقاتهما ومدوّراً لحدّة زوايا حرابهما بالشكلِ فقط.
ففي 8 آذار من العام 2005، كان رئيس مجلس النواب وحركته من صلب التحرك وكانا خزاناً لتظاهرة الوفاء والشكر لسوريا الأسد بوجه تظاهرة 14 آذار صاحبة شعار “حرية سيادة استقلال والحقيقة”، وكان بري ملحقاً بقرار الحزب بشن حرب تموز من العام 2006 على الرغم من وثائق ويكيليكس التي عبّرت عما يضمر “الحركيّون” للحزب.
كما كان لبرّي الدور الأكبر في قطع الطرقات وحرق الدواليب واعتصام “المعارضة المفتوح” إبتداءً من 23 كانون الثاني من العام 2007 والذي لم ينتهِ إلا بعد 7 أيار من العام 2008، حيث كان لمسلحي حركة “أمل” الدور المساعد في البطولة… وطبعاً لم تغب حركة نبيه بري عن غزوة عين الرمانة في العام 2021.
كما ساهمت حركة بري السياسية كتفاً على الكتف مع “الحزب” في تعطيل الحكومات لفترات طويلة، كذلك في إسقاط حكومة الحريري في العام 2011 باستقالة وزراء حركة “امل” وفرض حكومة ميقاتي بقوة القمصان السود وكذلك في إقفال المجلس النيابي، بالتضامن والتكافل مع “الحزب” والحليف الخصم لبرّي التيار الوطني الحر.
كذلك كانت حركة بري في الانتخابات الطالبية والنقابية وحتى النيابية في نفس الخندق الذي حفره الحزب مع “التيار الوطني الحر” في كل المراحل.
والأهم أن رئيس مجلس النواب نبيه بري وعلى الرغم من “رفضه المبدئي” لانتخاب ميشال عون في العام 2016، كان رأس حربة تعطيل الجلسات وإفقادها النصاب وصولاً الى انتخاب الرئيس عون تحت زناد “بندقية المقاومة”.
وتبيّن أيضاً أن المبادرات الحوارية وغير الحوارية التي دعا اليها برّي لم تكن إلّا مناورات لتقطيع المراحل والصعوبات ولخداع الخصوم وترييحهم قبل الإنقضاض عليهم بالسياسة والأمن والإغتيال… وما أرانب الأستاذ الا من لوازم “عدّة هذا الشغل”.
اليوم وبعد عشرات السنين على تبوئه سدة رئاسة مجلس النواب لا يزال نبيه برّي يتأرجح بين “المشترع” و”الشارع”… ليطغى الثاني على الأول للأسف كما تبيّن آنفاً، وليصبح المجلس النيابي معطلاً مكبلاً عاجزاً بقوة التعطيل والاستنسابية والاجتهادات والجهود غير الدستورية التي يمارسها رئيس حركة “أمل” يإيعاز من أمين عام “الحزب”.
ربّ مستغرب كيف يروّج رئيس مجلس النواب لرئيس تحدي لقسم كبير من اللبنانيين… نحيل هذا المستغرِب الى مسيرة رئيس حركة “أمل” في مجلس النواب وهو المفترض أن يكون حكماً في البرلمان لا طرفاً ولا خصماً ولا عدوّاً لأي من النواب أو أي حزب من الأحزاب.
ونختم هنا مع أبي الطيب المتنبي بمعاتبته لسيف الدولة: …”فيكَ الخِصامُ وأنتَ الخَصْمُ والحَكَمُ”.
.jpg)