
يصادف اليوم ذكرى ميلاد البطريرك الراحل المثلث الرحمات مار نصرالله بطرس صفير. أن تحمل تاريخ شعبك وأنت في موقع قيادته أمر مهمّ جداً، لكن أن تحمل قضيّته طالما حييت، لَعَمْري في ذلك بطولة لا يمتلكها القادة كلّهم. هكذا كان البطريرك صفير. نستذكر الأحبّاء والمفضلين والأبطال والقديسين والشهداء كي لا ننساهم. فنسيانهم هي خطيئة مميتة بحقّ القضيّة التي استُشهِدوا من أجلها.
لقد ارتبط اسم البطريرك صفير بالقضيّة اللبنانيّة لأنه نجح بإبقائها حيّة في قلوب الأجيال التي أحبّت قائداً لم تعرفه. قالها لنا ذات يوم، “أَتَصَفَّحُ وجُوهَكُم فَإنَني أرى أَنَ بَعضَكُم مُنذُ عَشْرِ سَنوات لَم يَكُن عَلى عِلْمٍ بما هي القوات اللُّبنانية ولا بقائِدِها سمير جعجع. شَبَبْتُم على مَحبَّةِ قائدٍ لَم تَعرِفوه وَفي هَذا فَضْلٌ لَكُم كَبير لِأَنَكُمْ تَلَقَيْتُم عَن أَسلافِكًم ما أَنْتُم تَعْتَقِدُونَهُ صواباً. نَحْنُ مَعَكُمْ”.
لم يتوانَ يوماً في الدّفاع عن “الحريّة” التي أعلاها شأناً من العيش المشترَك المزعوم، ليبني مع الشريك في الوطن والوطنيّة وطناً يستحقّ الحياة، على قاعدة احترام تعدديّته الكيانيّة بهدف الوصول إلى قواسم مشترَكة، تسمح بالعيش على هذه المساحة الجغرافيّة التي حمت حريّتنا بنهج المقاومة اللبنانيّة لأعوام وأعوام من دون أن يهتزّ كياننا الحرّ.
إنّه حقاً بطريرك القضيّة، لأنّه استطاع أن يبقيها حيّة إلى ما بعد بعد رحيله بأجيال وأجيال. ولن يتمكّن أيّ خلف بعده إلّا أن يتّبع هذا النّهج لأنّه من عمق تاريخ وجوديّة هذا الوطن.
هو بطريرك القضيّة حقاً لأنّه وقف جنباً إلى جنب الصادقين الذين حملوا هذه القضيّة، وكان صوتهم يوم حاول الاحتلال السوري والنظام الأمني اللبناني إسكات هذا الصوت. هل يمكن أن ننسى كيف فتح قلبه وكيانه قبل أبواب الصرح الذي يحضن فيه تاريخ الوجود المسيحي الحرّ؟
هنا أهميّة البطريرك صفير بالذات. لم يميّز بين أبناء رعيّته؛ لكن المؤسف أنّ بعض الضالين منهم اعتبروا أنّ قضيّته لا تشبه قضيّتهم؛ ليبيّن التّاريخ لهؤلاء أنّ قضيّتهم لم تكن القضيّة اللبنانيّة التي نجح جنرال الوههم بخداعهم بها طوال أكثر من ثلاثة عقود. وهذا ما أثبتته صناديق الاقتراع في أيّار من العام 2022.
أمام هذه الوقائع التاريخيّة المتجذّرة تجذّر الأرز، لا يعتقدنَّ أحد أن رحيل البطريرك صفير كان رحيلاً كاملاً. بل رحيلُه كان رحيلاً بالجسد فقط. فروحه بقيت معنا، ترافقنا بالصلاة في مراحل نضالنا كلّها؛ والأهمّ أنّ وجدانه بقي حيّاً فينا لأنّنا أحرار. ولأنّنا تلاميذ البطريرك صفير نحن أحرار. ولأنّنا أحرار اخترنا أن نحمل لواء القضيّة اللبنانيّة. ولأنّ البطريرك صفير هو بطريرك القضيّة، فقضيّتنا حقّ، ولا بدّ في الأرض من حقٍّ، وما من حقٍّ ولم نبقَ نحن.
أمّا أنتم يا إخوتي في الوطن، فاطمئنّوا لأنّ البطريرك صفير على قدر مارونيّته وقاديشيّته فهو كان لبنانيّاً كِيانياً، لذلك هو بطريرك لبنان، ولبنان كلّه، بما يمثّله من اختلاف حضاريٍّ، وقد نجح بأن يكون بطريرك الأحرار. وطالما أنتم من عشّاق الحرّيّة فهو بطريرككم أيضاً وحارسكم الأمين.
تأكّدوا أنّنا لا نذكره فقط في الثاني عشر من شهر أيّار أو في الخامس عشر منه، بل في كلّ لحظة نقف فيها أمام مصيرنا؛ نراجع ضميرنا لنعرف إذا ما كنّا أمينين على الإرث الذي حمَّلَنَا إيّاه. لذلك، لن نألوَ أيّ جهد، ولن نوفّر أيّ قطرة عرق وكدّ وحتّى دم لنصل إلى لبنان الذي ناضل لأجل الوصول إليه. صحيح أنّه حقّق الاستقلال الثاني لكن سوء الأمانة التي نجح بممارستها مَن حصد تسوناميهات منذ العام 2005 هي التي أجهضت هذا الاستقلال.
إيماننا أعظم بكثير من عمالة هؤلاء كلّهم. ورجاؤنا أكبر بكثير من صفقاتهم. وقناعتنا بصوابيّة مبادئنا لا تقاس مقارنة مع قناعتهم للإنبطاح والاستزلام لمن جعلوهم أرباباً لهم فيمنّون عليهم بالفتات الذي يسقط من موائدهم. لذلك، لا نخاف على قضيّتنا لأنّ شفيعها بطريرك مقاوم صارخ بصمته، ويكمّ أفواههم بقوله، “لقد قلنا ما قلناه”، ليبقى الوطن.