ماذا تنتظر من الكاهن؟

حجم الخط

كتب أنطوان نجم في “المسيرة” – العدد 1740

 

خلال السنة الدراسية 1978 – 1979، دعاني الصديق الأب يوسف بشارة (مطران أنطلياس في ما بعد) إلى لقاء طلابه الإكليريكيين في إكليريكية غزير المارونية، وإلقاء حديث في موضوع “ماذا تنتظر من الكاهن؟”. وقد شجعني على تلبية الطلب الصديق الأب خليل أبو نادر (مطران بيروت في ما بعد)، رئيس مدرسة الحكمة فرع مار مارون في جديدة المتن. وكان طلاب منتمون إلى إكليريكية غزير المارونية، يُتمّون دراستهم الثانوية في مدرسة الحكمة في الجديدة. لبيت الدعوة. ولم أدوّن، بكل أسف، تاريخ يوم اللقاء.

في ما يأتي نص الحديث:

“السؤال المطروح يستدعي، بادئ ذي بدء، ملاحظات هي الآتية:

1 ـ إنه سؤال موجّه إلى علماني مسيحي كاثوليكي آمن، خصوصًا بعد إطلاع وثقافة دينيين، بسمو مهمة الكاهن، فضلاً عن نشأة بيئية تحترم الكاهن، وتعي قداسة رسالته. وإذ أستهلّ بهذه الإيماءة، فلأن السؤال قد يأخذ اتجاهاً آخر، وحجمًا مختلفًا، إما عند مسيحي كاثوليكي نشأ في عائلة لا ترى في الكاهن سوى اختصاصي في شؤون العبادات، وإما عند شخص غير مسيحي، أو ملحد، أو لا مبالٍ بالأمور الدينية. أي إن السؤال ذاته ينال ألوانًا من الأجوبة بحسب بيئات سوسيو – ثقافية مختلفة.

2 ـ إنه سؤال موجّه إلى علماني مسيحي كاثوليكي ماروني. وهذا ما يُضفي عليه بُعدًا آخر مهمًا، لأن التاريخ الماروني الديني والسياسي والعسكري لا يدركه الباحث المدقق والموضوعي إذا تجاهل أو أهمل فيه الدور الدنيوي للكاهن. قد يكون هذا الكاهن بطريركاً، كالقديس يوحنا مارون، أو إرميا العمشيتي، أو دانيال الحدشيتي، أو موسى العكاري، أو إسطفان الدويهي، أو يوسف حبيش… وقد يكون مطراناً كجرجس عميرة (قبل أن يُرقّى إلى السدّة البطريركية)، أو راهبًا كشربل قسيس… ولو أن السؤال طُرح على مسيحي مشرقي غير ماروني لنال بُعدًا يأتلف وما تلقفه في بيته وبيئته وتراثه.

3 ـ إنه سؤال مطروح، اليوم، في جوٍّ إجتماعي – سیاسي – عسكري يشدّ بك إلى تكثيف الآمال التي تنتظرها من الكاهن. فلو وُجّه السؤال قبل 13 أيار 1973، أو قبل 13 نيسان 1975، لكان له، ربما، وقع في النفس غير الذي له الآن، إذ لا يمكن سلخ السؤال المطروح عن زماننا المعيش، ومكاننا المضطرب، وتجريتنا المؤلمة في الوقت الحاضر.

وبالإضافة إلى ما ورد أعلاه، أراني مضطراً إلى ثلاث ملاحظات أخرى:

من هو الكاهن؟

التعريف به يشكّل ثُلثي الإجابة عن السؤال الأساسي. ولا بدّ منه، لأن تربيتنا الثقافية أكسبتنا أسلوبًا في البحث يعتمد على ضرورة الانطلاق دومًا من الوضوح. وأوله هو التعريف. لذا، الكاهن هو في نظري، راعٍ. ألم يقل يسوع لبطرس: “إرعَ خرافي؟” (يوحنا 21/17).

الكاهن الراعي هو خادم أيضًا. قال يسوع: “فأنا بينكم كالذي يخدم” (لوقا 22/27). لا أقصد بهذه اللفظة تعبيرًا ظاهريًّا عن التواضع الذي يخفي ما هو عكسه، كما الحال عند استعمال لفظة “الحقير”، بل أتطلّع إلى اللفظة في معنييها القاموسي والمسيحي معًا.

الخادم هو من يخدمني في حاجاتي. ليس المقصود معناها المادي فقط، إنها تتناول كياني بكلّيته، بما فيه تلك المتعلّقة بالكمال الإنساني.

عندما عرّفتُ الكاهن بالراعي والخادم، لم أحصر الأمر بالكاهن ـ الفرد الذي يستمع إلى اعترافي ويناولني القربان المقدّس. أعني به هذا الجسم التراتبي من قمة الهرم حتى أسفله. والتكاملية شرط جوهري في كل تراتبية. فإذا لم تجز الجسم روح واحدة، عطلّت أعضاء أعمال أعضاء أخرى.

بعد هذه الإيضاحات، أقول:

ـ أنتظر من الكاهن أن يكون لي قدوة. فإذا مرّ في خاطري شك في الإيمان، بمقدار حبّة خردل، رأيته أمامي يُعيد إليّ إيماني بسلوكه وتصرّفه وصلاحه. ولا أظن أن أحدًا معفيّ من لحظات الشكوك والتشكّك، وقد مرّ بها كثيرون. إن الكاهن هو عنصر أساسي يعينني على تخطّي ضعفي، ولكن ليس بالمنطق العقلاني ـ إذ المجال، هنا، ليس مجاله ـ ولا بالوعظ اللامع، على أهميته، بل بتطابق حياته، في كل لحظة، ومقتضيات الإنجيل. “الويل لمن تقع الشكوك عن يده”، قال يسوع (متی 18/7).

ـ أنتظر من الكاهن أن يأخذ بيدي لأكون، حقيقة لا قولاً، شاهدًا للمسيح في بيتي وبيئتي. طموحي أن أكون شاهدًا صادقًا بشهادتي. إنّ من أشهد له هو مخلّصي. هو “الطريق والحق والحياة” (يوحنا 14/6).

ـ أنتظر من الكاهن ألّا يعتبر أن مجاراة العصر تعني التخلّي عن جوهر رسالته. فالعصر قد يفترض تغييرًا في أساليب الرسالة، وفي طرائق إبرازها للناس، وتبدّلاً في زيّ الكاهن الخارجي، وفي تعديل أساليب حياته. لكن العصر، أي عصر، لا يقتضي منه أن يحرّر رسالته من روحيتها، لينغمس في مهمة اجتماعية، أو اقتصادية، أو فنية، أو تدريسية… مطلوب منه، ومحتّم عليه، أن يوفّق بين روحية رسالته الجوهرية وسواها من المهمّات، لئلا يخون مَن أوكله رسالته الكهنوتية.

رسالة الكاهن، ككاهن، تعبير عن حضور الأبدية في الزمان. والزمان لا يحلّ محل الأبدية، أيًا تكن التبريرات والدوافع. وإهمال الروحي بذريعة تأمين البنية التحتية المادية خيانة للروح، بكل ما في لفظة “خيانة” من أبعاد.

ـ أنتظر من الكاهن أن يؤمّن لأولادي تربية دينية. ومن غير الدخول في تفاصيل الفرق بين التربية الدينية والتعليم الديني، وفي معرفة ما إذا كانت هذه التربية تتم داخل البناء المدرسي أو خارجه، فإنني في وضع يسمح لي بأن أؤكد هول الفراغ في مجال التربية الدينية وعمقه وضخامته. أولادنا على شفير العيش خارج الجوّ الروحي الإيماني. وأجيالنا تنشأ بعيدة من يسوع. وليس من النافل أن أذكّر الكاهن، في هذه المناسبة، بأن الكتاب المقدّس قصده حيث يقول: “فإذا قلت للشرير: إنك تموت موتًا ولم تُنذِرْه أنت ولم تتكلم منذرًا الشرير بشرِّ طريقه ليحيا، فذلك الشرير يموت في إثمه، لكني من يدك أطلب دمَه. أما إذا أنذرت الشرير ولم يتبْ من شرّه ومن طريقه الشرير، فهو يموت في إثمه، لكنك تكون قد خلّصت نفسك” (حزقيال 3/ 18- 19).

ـ أنتظر من الكاهن أن يزورني في بيتي، حتى وإن كنت لا أبادله الزيارة. أحبّ أن يفتقدني من آن إلى آن، بالطريقة التي يراها مناسبة. وأحبّ أن يواسيني ويعزّيني، ويحمل معي شيئًا من همومي، إن هو آنس أنني راغب في مشاركته فيها. زيارة الكاهن في بيتي لحظة أفرح لها وأنتظرها، لأنها فرصة تُعيد نفسي إلى نفسي في زحمة الحياة العصرية، وفي خضم خطر نسيان الحياة الداخلية. إن الكاهن الذي يعيش مع الناس، لا بالانعزال عنهم، يشهد، وإن بصمت، على حضور يسوع المادي في العالم.

ـ أنتظر من الكاهن أن يعمل ما في وسعه على المحافظة على وطني لبنان، والمساهمة في تثبيت المسيحي فيه حرًا. الكاهن هو، أيضا، إبن وطن. ولوطنه عليه حقوق.

إنني مقتنع بأنّ للكاهن في طائفتي المارونية غير دور ونكهة على الصعيد الوطني والسياسي. فليستمر فيه، وليعطِ هذا الوطن ما ينبغي أن يقدّمه له.

لغيري أن يثير الجدل حيال حق الكاهن في ممارسة السياسة والحياة الوطنية. أما أنا الماروني، فإنني أرفض التخلّي عن تقليد رائع في طائفتي يقضي بأن يكون الكاهن، دائمًا، في صفّ الدفاع الأمامي. ولَكَمْ كان جميلاً مشهد ذلك الكاهن في قرانا، حيث كان وراء الثور يفلح أرضه، وسلاحه متّكئ إلى حائط الجلّ، جاهز لأيّ طارئ.

ولغيري أن يجادل ويماحك حيال حق الكاهن في اقتناء السلاح واستعماله. أما أنا الماروني، فأتمسك بظاهر قول يسوع: “ومن لم يكن عنده سيف، فلْيبع رداءه ويشتره” (لوقا 22/36).

أيها الإخوة،

إذا أمَلت من الكاهن كلّ ما ذكرت، وما يمكنني أن أضيف إليه، فإنني، في الوقت نفسه، أسأل نفسي: ماذا عمِلتُ أنا المسيحي، الماروني، المواطن، المجتمع، كي أسهّل على الكاهن قيامه بما أنتظر منه؟

وقد يُطرح السؤال على نحو مختلف: ما الذي يحول دون قيام الكاهن بما تلزمه به رسالته؟

هناك عقبات عديدة. منها ما يتعلّق بشخصه، ومنها بوضعه المعيشي، ومنها بثقل المسؤوليات الملقاة على عاتقه وضخامتها، بسبب قلّة الدعوات الكهنوتية، ومنها بأجواء العصر التي تتلاقى كلّها، في ظاهرها، على عرقلة عمل الكاهن، ومراكمة الصعوبات حيال رسالته.

اقتناعي أن عوائق كثيرة تزول عندما يشعر الكاهن، في قرارة وجدانه، بمحبتي العميقة له، أنا إبن رعيته. تلك المحبة التي من المحتّم، كي لا تبقى مجرّد عاطفة، أن يرافقها ما يساند الكاهن ويؤازره ويدعمه.

عليّ أن أقتنع، أنا العلماني، أنني معين للكاهن بحسب قدراتي لأسهّل الدرب أمامه.

عليّ أن أربط لساني عن انتقاده لأخطائه المقصودة، وغير المقصودة.

وعليّ أن أصلّي عن نيته دومًا. فحرارة الصلاة تنتصر على العوائق وتزيلها، وتذهب بالصقيع وتأتي بالدفء”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل