تتعدّد التفسيرات والقراءات في بلد كلبنان متعدّد الاتجاهات والتوجّهات، كما تتعدّد التحليلات مع توسّل وتسوّل التوقعات حسب التمنيّات، وهذا تماماً ما حصل في مقاربة اللبنانيين السياسية المختلفة للقمة العربية في جدة ولترجماتهم عن حضور كل من رئيس النظام السوري العربي المعزول ورئيس أوكرانيا المحضون لقمة جدة في 19 أيار من العام 2023.
كان لحضور رئيس النظام السوري بشار الأسد للقمة العربية في جدّة دويّاً قوياً لا يزال يُرتَجع صداه في العالم والمنطقة، وبالأخص في لبنان الذي يغالي كلّ من “سيادييه” و”ممانعيه”، في ردود فعلهم السلبية والإيجابية… فمن ضبابية الرؤية ارتبك “السياديُّ” وارتاب قبل “الانقشاع”، و”سَكِر” الممانع بتوقعات الانتصار قبل الصحوة ولجوئه الى “الافتكار”…
بعيداً من شكليّات الحضور وبروتوكولات الاستقبالات واللقاءات وإشكالاتها، لا بدّ لنا من الغوص في مضمون خطاب رئيس النظام السوري عن السيادة و”العروبة”، وفي تفسيرها اللغوي بين “الحضن” والانتماء”، والذي طرحه بعد أكثر من 12 عاماً على الأزمة السورية الدموية على أرض منتهكة سيادتها من جيوشٍ وميليشيات متعددة الجنسيات والقوميّات والإتنيات.
ففي خطابه أمام الجامعة العربية في جدة قال بشار الأسد، “أما سوريا فماضيها وحاضرها ومستقبلها هو العروبة لكنها عروبة الانتماء لا عروبة الأحضان، فالأحضان عابرة أما الانتماء فدائم وربما ينتقل الإنسان من حضن لآخر لسبب، ما لكنه لا يغيّر انتماءه، أما من يغيره فهو من دون انتماء من الأساس ومن يقع في القلب لا يقبع في حضن، وسوريا قلب العروبة وفي قلبها”.
وكان الأسد قد شرح في 25 تموز من العام 2015 “الانتماء” للوطن السوري بغض النظر عن جنسية “المواطن” بقوله، “الوطن ليس لمن يسكن فيه أو يحمل جنسيته وجواز سفره بل لمن يدافع عنه ويحميه”.
فالوطن هنا بالنسبة لرئيس النظام السوري هو للبنانيّ من “حزب الله”، الشيشاني، الأفغاني، الإيراني، العراقي، والروسي وغيرهم ممن من لم يسكنوا سوريا ومِمّن لا يحملون جنسيتها ولا جواز سفرها.
وفي شرح لمفهوم “الانتماء” للوطن “قلب العروبة النابض” لدى رئيس النظام السوري، ذكرت وكالة انترفاكس الروسية في 27 آذار من العام 2016، عن الرئيس الأسد قوله لبوتين، “استعادة تدمر(من داعش) كانت مستحيلة لولا دعم روسيا”، ليعود ويؤكد في 30 آذار من العام 2016، أننا “نحتاج الوجود العسكري الروسي حتى ولو استقر الوضع الأمني”.
وأكدت صحيفة التيليغراف البريطانية في 10 نيسان من العام 2016 ما سبق في تقريرها عن “استعادة” مدينة تدمر بعنوان، “أين هم السوريون في الجيش السوري”، فكتبت:
…”إنّ صوراً ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحليل وسائل الإعلام الايرانية والروسية، وحتى السورية، تظهر أن استعادة المدينة من داعش قامت به قوة متعددة الجنسيات، بقيادة روسية وبتنفيذ ميليشيات أفغانية وعراقية شيعية تحت أمرة ضباط من الحرس الثوري الإيراني”.
كل ما سبق يناقضه الرئيس بشار الأسد نفسه، إذ يقول في تاريخ 4 آب من العام 2013، “عندما يكون عندي دعم الشعب لست بحاجة إلى دعم أحد، لأن الشعب هو أقوى شيء وهذا كلام ليس إنشاء هذه حقيقة”.
فسوريا مقسمة الى كيانات محتلّة من أميركية، تركية، إيرانية، حزب الهية ـ لبنانية ـ روسيّة وداعشية، وما بشار الأسد الا رئيساً صوريا مسيَّراً من الاحتلالين الروسي ـ الإيراني وملحقه اللبناني، وطبعاً لم يرَ في خطابه ولم يذكر إلا الاحتلال “العثماني” الإخواني ـ من دون الأميركي حتى – ليردّ عليه الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان بتأكيده أن بلاده تعد مشاريع لبناء مساكن في سوريا من أجل عودة قرابة مليون لاجئ إلى بلادهم، وأن أنقرة ستحافظ على وجودها العسكري ولن تنسحب كما طلب الرئيس السوري بشار الأسد.
وما يؤكد أن الرئيس السوري ما هو الا في حضن محتل بوجه محتل آخر، ما نقلته في 24 تشرين الثاني من العام 2015، وكالة “سانا” عن تنديد دمشق بـ”الاعتداء السافر” على “سيادتها” بعد إسقاط “تركيا” للطائرة “الروسية”.
وبارتمائه وانتمائه لـ”الحضن الروسي” غير “العربي”، اعتبر بشار الأسد في 17 آذار من العام 2023، أن الرئيس الأوكراني زيلنسكي، “مهرّج وخطاباته تجعلنا نضحك”، ليعود ويستمع صامتاً منصتاً للرئيس زيلنسكي في القمة العربية في 19 أيار الحالي، وهو يتحدّث عن “عزمه مواصلة القتال حتى التخلّص من الاحتلال الروسي”.
أخيراً وعن “صحة” قرار الجامعة العربية بإعادة “سوريا الأسد” الى “الحضن العربي”، نقرأ في تصريحين منفصلَين زمنياً مكمّلَين لبعضهما موضوعياً، لكلّ من “مهلّلٍ” للعودة وللعائد نفسه. ففي 25 آذار من العام 1989 قال الرئيس ميشال عون، “إننا نطالب سوريا بأن تلتزم المواثيق الدولية المتعلقة بالحرب، فلا تقتل العجز ولا تقصف المستشفيات وتضرب مصلحة مياه لبنان. ولا نعرف غداً ماذا سيضربون، الكهرباء، المياه.. لا أعلم ماذا سيضربون لأن القيادة مجنونة ولا تعرف ماذا ستفعل، إلا التخريب الدائم. يعني دولة تتصرف كإرهابي، من الممكن أن تتصرف ضد أي شيء. تصوروا إرهابياً فالت ومعه سلاح ولا أحد في إمكانه أن يردعه عن أي شيء…. الجيش السوري ليس جيشاً بالمفاهيم المتعارف عليها دولياً. هذا جيش إرهابي”، ليعود بشار الأسد ويؤكد على كلام عون في 7 كانون الأول من العام 2011، بقوله لقناة “أي بي سي”، “لا يوجد حكومة في هذا العالم تقتل شعبها إلا إذا كان من يقودها شخص مجنون.
“وفي الاستنتاج نقول شتّانَ ما بين “المخطِّط والمتخبّط”.
.jpg)