تتكثّف الأدخنة المحيطة للغلاف الجويّ السياسيّ اللبنانيّ البعيد عن صورة المقاربة العربيّة الصادرة عن قمّة جدّة، في تأكيدها الرفض التامّ لدعم تشكيل الجماعات والميليشيات المسلّحة الخارجة عن نطاق مؤسّسات الدولة (الفقرة السادسة). ولعلّها من المفارقات المخيّبة المعبّر عنها على نطاق القوى السياديّة المعارِضة لمحور “الممانعة” أنّ تتزامن مرحلة تلاوة توصيات القمّة العربيّة، مع دخان “ذخيرة حيّة” منبعث عن #مناورة عسكرية مسلّحة أقامها “#حزب الله” على مستوى الجنوب اللبنانيّ. وهناك الكثير من العلامات السلبية المطروحة كانعكاسات لافتة، يقرأ المراقبون السياسيّون تداعياتها المؤثّرة والمانعة الوصول إلى “نقاوة أجواء” على الساحة اللبنانية، طالما أنّ الصوت الأعلى هو للصواريخ ومخلّفات نيرانها التي لا تُكشَّح… بل باقية مسيطرة على الواقع المحليّ.
وفي غضون ذلك، يَخرُج العرض العسكريّ الجنوبيّ الذي أقيم في 21 أيار الماضي عن معالم اللوحة الهادئة الموعودة للمنطقة، بما يشمل التأكيد على أهمية التنمية المستدامة والأمن والاستقرار والعيش بسلام، كحقوق أصيلة للمواطن العربيّ (الفقرة السابعة لقمّة جدّة). ولن يتحقّق ذلك وفق مندرجات القمّة إلّا بتكاتف الجهود وتكاملها، ومكافحة الجريمة والفساد بحزم وعلى المستويات كافة، وحشد الطاقات والقدرات لصناعة مستقبل قائم على الإبداع والابتكار ومواكبة التطوّرات المختلفة، بما يخدم ويعزّز الأمن والاستقرار والرفاه للمواطنين. وانطلاقاً من المقارنة أيضاً بين النقاط المؤكّد عليها على مستوى قمّة جدّة والمناقضة للصورة التي أظهرتها المناورة العسكرية، تأكيد أحد بنود القمّة على شجب الصراعات العسكرية الداخلية التي لا تؤدّي إلى انتصار طرف على آخر، وإنّما تُفاقم معاناة شعوب المنطقة وتثخن في تدمير منجزاتها وتحول من دون تحقيق تطلعات مواطني دولها. وإذا كانت هذه كلّها عناوين تُظهر مدى ابتعاد لبنان على السكّة المنشودة البديهيّة للحلول، فإنّ تأكيد انعكاسات العرض العسكريّ الذي أقامه “حزب الله” مسألة لا يَستهين بتداعياتها المحلية أفرقاء المعارضة الذين استطلعت “النهار” آراءهم.
ولا تشكّل المناورة العسكرية عنصر مفاجأة بالنسبة إلى عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب الياس اسطفان، بل “مؤكّدة على حكم الدويلة للدولة حتّى تجاه المجتمعين العربيّ والدوليّ، والاستمرار في دوّامة التسبّب بالعزلة الدولية التي يشهدها لبنان جرّاء هيمنة “حزب الله” القائمة على القرار الداخليّ. وإذ تزامن العرض المسلّح في توقيته مع المندرجات الواضحة المنبثقة عن القمّة العربيّة في جدّة، فإنّه يشكّل استعراضاً مرفوضاً وموازياً للمساعي اللبنانية لاستعادة موقعه على نطاق الثقة العربية والمكانة الدولية”. ويُضاف إلى حجم ما تخلّفه المناورة من انعكاسات وتداعيات تفنّدها مقاربة اسطفان، “توجيه “حزب الله” رسالة واضحة فحواها قطع الطريق أمام إقامة دولة فعليّة في لبنان بما يشمل التشبّث بطريقة تعامله مع استحقاق الانتخابات الرئاسية والهيمنة على المجلس النيابي وعدم دعوة رئاسة المجلس إلى عقد جلسة انتخابيّة في ظلّ التمسّك بمرشح أوحد هو الوزير السابق سليمان فرنجيّة”. ويتظهّر لأسطفان أنّ صورة العديد المسلّح جنوب لبنان، “أوحت بوضوح مكمن المشكلة المتمثلة في السلاح كمسألة معاكسة للتطوّرات الإيجابية في المنطقة على جميع الصعد باستثناء التحفّظ الذي نبديه على عودة النظام السوريّ إلى جامعة الدول العربيّة. ويُظهر أداء “حزب الله” أنّه غير معنيّ بكلّ ما يحصل على المستوى الإقليميّ، مع استمراره بوتيرة قائمة على الهيمنة والضغط بغية رفع حظوظ مرشحه كرهانٍ خاطئ”.
إلى ذلك، تركت المناورة العسكرية تداعيات على ثلاثة صعد بالنسبة إلى ملاحظات عضو كتلة “تجدّد” النيابية النائب أديب عبد المسيح، بدءاً من “الانعكاسات السياسية الداخلية التي عكست أضراراً على مستوى الملفّ الرئاسيّ الساخن وسط محاولة هادفة إلى جمع الأفرقاء مع بعضهم بعضاً؛ وقد وجّه “حزب الله” رسائل معاكسة للجمع من خلال مناورته العسكرية للقول إنّه لا يريد اتفاقاً أو توافقاً أو حواراً مع باقي المكوّنات، بل يسعى للاتفاق على إيصال مرشّحه الرئاسيّ خارج إطار مبدأ الشراكة والعيش المشترك وتأكيد خروج قراره عن الإطار الشرعيّ عبر مناورات وتحديات وأحكام شبه عرفية في الجنوب”. وتتمثّل ثاني النتائج السلبية التي رتّبتها المناورة من منظار عبد المسيح، “في ما يخصّ ضرب الحلول على المستويين السياسيّ والاقتصاديّ، بينما تحاول الدول الصديقة للبنان الاجتماع للبحث عن حلّ للمسألة اللبنانية والمساعدة في الملفّ الاقتصاديّ. ويغرّد “حزب الله” خارج الإطار اللبنانيّ منفّذاً أجندات مشبوهة قائمة على تحدّي الإقليم وزيادة عزلة البلاد”. ويتمحور الانعكاس الثالث على مستوى الملفّ المعيشيّ، وفق قراءة عبد المسيح، لناحية “عرقلة السير بالإصلاحات المنشودة التي ينتظرها المجتمع الدوليّ من لبنان، وسط اقتصادٍ موازٍ ودويلة متحكّمة داخل الدولة وليس في استطاعة المؤسسات الشرعية ضبطها. وإذ يتأثر العمل على بلورة الحلول الاقتصاديّة بهكذا أوضاع سياسيّة متردّية، فإنّ ما يحصل يعزّز فكرة ضرورة حلّ مشكلة سلاح “حزب الله” وأنّ السياسة تشكّل الركن الأساس والبوّابة للحلول الاقتصاديّة”. وفي الاستنتاج العام للنائب عبد المسيح، فإنّ “المجتمع العربيّ يراقب ويحاسب؛ والموقف السعوديّ واضح بعدم التدخّل في الشؤون الداخليّة اللبنانيّة واتّخاذه تقويماً للأوضاع اللبنانيّة انطلاقاً من السياسة الخارجيّة والتعامل من دولة إلى دولة… لكنّ دولة لبنان تُعتبر غير موجودة حاليّاً. وليس في الإمكان الاستهانة في رأي وموقف المحيط العربيّ ممّا يجري من انتهاكات للسيادة على الأراضي اللبنانيّة من اللبنانيّين أنفسهم”.
