Site icon Lebanese Forces Official Website

ما بين الثورة والتسوية

غالبًا ما تحكم البلدان التعدديّة صيغ التوافق الوطني، لا سيّما إن اعتمدت على أنظمة انتخابيّة نسبيّة. ولعلّ هذا ما يحتّم أكثر صعوبة إنشاء تكتّلات قوى متجانسة. وهذا ما يؤدّي حتمًا إلى نوع من التعطيل نتيجة عدم فهم هذا النوع من الثقافة السياسيّة. وممّا لا شكّ فيه أنّ التجربة النسبيّة في لبنان قامت بعمليّة تصحيح تمثيليٍّ، ولكن لم يكن هذا التصحيح وفق المرجوّ من القوى السياسيّة لا سيّما المسيحيّة. فهل ما زال الشعب اللبناني قاصرًا عن فهم هذا النّوع من التطبيقات السياسيّة؟ وما هي السبل الآيلة إلى إنضاج هذه التّجارب؟

مخطئ مَن يظنّ أنّ التأسيس لأيّ نظام ناجح ممكن أن يبدأ من رأس الهرم حتّى قاعدته؛ بل العكس تمامًا. لذلك، الواقع التعدّدي المجتمعي يجب أن يكون المنطَلَق لأيّ نظام يُبنى عليه الوطن اللبناني. سواء أكان هذا النّظام تربويًّا أم سياسيًّا أم اجتماعيًّا. والخطأ الجوهري الذي ارتكبه اللبنانيّون بحقّ مجتمعهم هو محاولتهم عيش هذه الحالة الإنكاريّة عبر ممارستهم على أنفسهم عمليّة كبحٍ مجتمعيٍّ، بحجّة انصهار هُويَّاتي بعيدًا من الواقع المجتمعي الذي يتكوّن منه لبنان.

ولا يمكن القفز فوق القاعدة الثنائيّة التي قام على أساسها مبدأ الخلق، ألا وهي التكامل والتنوّع. وهذه القاعدة عينها هي التي تحكم سرّ تكوين لبنان. فما من مكوّنٍ اجتماعيٍّ قادر وحده أن يبني وطنًا خاصًّا به. ماذا وإلا لكانت الحرب التي شلّعت ثوب الوطن الواحد قد نجحت بفرز أوطان على قاعدة الانقسامات التي تستند إلى القاعدة التكوينيّة للبنان. لكن فشل هذه المشاريع في القرن الماضي دفع معظم اللبنانيّين إلى التفكير بقلق بمصيرهم.

إلّا أنّ الإشكاليّة الكبرى تكمن في فهم هذا النوع من التطبيق السياسي، وذلك لأنّ الانقسام الذي نجح اللبنانيّون بتكريسه فيما بينهم، كلّ على القدر الذي يتحمّله، أدّى إلى تفتيت مفهوم الوطن. لذلك كلّه، ما نحن بحاجة إليه هو إعادة صياغة هذه الفلسفة الوطنيّة التي على أساسها يجب أن يُبنى لبنان الغد. وبعد ذلك يُصَارُ إلى البحث بشكل النّظام السياسي الذي يحكم هذه التركيبة المجتمعيّة؛ أكان لامركزيًّا موسّعًا أم فدراليًّا أم غير ذلك.

ومن الخطأ في مكان ما، ما يتمّ طرحه راهنًا من مشاريع سياسيّة بديلة عن المشروع السياسي اللبناني الحالي الذي قام على القواعد التي أرساها الوفاق الوطني. وبالطبع ذلك لا يعود إلى نجاح المشروع اللبناني، أعني هنا دستور الطّائف. فهذا الدّستور لم يعالج الإشكاليّة السياسيّة، بل اكتفى بمعالجتها معالجةً إداريّة فقط. فيما الإشكاليّة الحقيقيّة هي من طبيعة سياسيّة تكوينيّة، وليست طبيعتها إداريّة فقط.

ولعلّ هذا ما أدّى إلى نجاح الفريق الذي تحكّم بالسلطة منذ انقلاب السابع من أيّار في العام 2008 إلى اجتراح نهج فريد من نوعه وهو الديمقراطيّة التعطيليّة. وما زال هذا الفريق عينه يمارس النّهج ذاته اليوم لأنّه لا يملك ثقافة عيش هذه التعدّديّة التي يريد أن يصهرها في أتّون الأمّة الإيديولوجيّة التي يؤمن بها. ولا يمكن في توصيف هذه الحالة إلا الاعتراف بأنّ نجاح هذا الفريق مرحليًّا، قد ارتبط بمن أذعن لإرادته بالترهيب أو بالترغيب. هذا الترهيب الذي ابتدأ ما قبل 14 شباط 2005 ولمّا ينتهي حتّى الساعة. أمّا الترغيب فتجلّى بأبهى حلله في 6 شباط 2006 من على مذبح كنيسة رئيس الملائكة في الشياح. وهذا الفريق بالذات نجح بتثبيت نهجٍ تربويّ مجتمعيٍّ مبنيٍّ على الحقد والتهم المعلّبة لأي رأي مختلف عن رأيه السياسي. ولنا في بعض كتابات هؤلاء على مواقع التواصل الاجتماعي خير دليل على الدرك الثقافي – الحضاري الذي نجح بإيصال مجتمعه إلى حضيضه.

ما يجب أن يفهمه هؤلاء كلّهم، أنّ مسارهم هو بعكس المنطق البشري والطبيعة السياسيّة للأوطان. وهذا ليس استنتاجًا أو مجرّد رأيٍ شخصيٍّ، إنّما ذلك هو قراءة هادئة لمنطق تاريخ الأوطان. ولعلّ آخر التجارب التي تشهد على سقوط هذا النهج الفكري التدميري هو سقوط جدار برلين والنّظام الشيوعي الذي حكم أكثر من سبعة عقودٍ من الزمن. أضف إلى الثورات التي إن استطاع قمعها النظام الايراني حينًا، فهو لن يستطيع إسكاتها إلى الأبد، لأنّ الشعب أراد الحياة. وما هذه التهديدات التي يطلقونها تباعًا بتسيُّدِهِم على الحالة التعطيليّة التي يفاخرون بفرضها في النظام اللبناني، انطلاقًا من بوّابة رئاسة الجمهوريّة إلا دليل إضافيّ على فشل مشروعهم وسقوطه الحتمي.

حاول اللبنانيّون إنضاج هذه التجارب عبر الحوارات التي بدأت بثورة الأرز في 14 آذار 2005، لكنّ آلة القتل التي استخدِمَت وكشفتها المحكمة الدّوليّة بالأسماء، نجحت بإجهاض هذا المسعى. وتجدّد هذا المنحى لكن على القواعد الاجتماعيّة – الاقتصاديّة في ثورة 17 تشرين 2019 إلا أنّ آلة القمع أجهضته أيضًا. وهذا ما يدفعنا إلى الاستنتاج بأن الحلّ لن يكون إلا بإسقاط هذا النموذج القمعي – الاضطهادي. وذلك لن يكون بالتصادم معه بالطريقة التي يبرع فيها؛ أي السلاح. ولا حتّى بطلب نجدة المجتمع الدّولي لاستكمال تطبيق القرارات الدّوليّة، لأنّ الفرص لا تتكرّر. بل ذلك لن يكون إلا بنشر المزيد من الوعي والحرّيّة الشخصيّة السياسيّة التي وحدها كفيلة بتحرير خيارات النّاس الوطنيّة.

لكن هذا المسار طويل وبحاجة إلى مواجهة وحكمة وحنكة. ويبقى أنّ العائق الوحيد الذي يقف بوجه هذا الثالوث يكمن في الوضع الاقتصادي – المعيشي الذي وصل إلى حدّ إذلال الانسان أينما كان في لبنان. ومن المؤكّد أنّ التجارب القادمة ستظهر نضجًا أكبر في هذا المجال، ولعلّ هذا ما يخيف أصحاب المشروع التعطيلي، لا سيّما وأنّ الوعي السياسي بات أكبر حتّى في صلب مجتمعه. فهل تدفع هذه الأوضاع الاقتصاديّة إلى ثورة ثالثة قد تكون الثابتة؟ أمّ أنّ مصير هذا البلد ذات التاريخ الإلهي سيبقى رهنًا بالتسوية مع الشيطان؟​

Exit mobile version