.jpg)
قبل أن يخطف الوطن، كان متعةً للحسن والإحساس لا تملّها نفس، وبعد أن خطفه التسلّط الشّرس، صار هامداً لا حسّ فيه ولا روح، وانهارت مقادير عظمته، ولم يعد يقرأ بلذّة وشوق، أو يقبل عليه تفضيلاً عمّا سواه. أمّا تبرير الخاطفين بمساحيق باهتة ” خشبيّة “، ومنسلخة عن الحقيقة والصّدق، فيعيدنا الى ما قاله “نيتشه” من أن لا كذب إلّا حيث يجني الكاذب نفعاً من كذبه.
يدأب خاطفو لبنان الى التّحريف والتّشويه في مقاربة واقع الوطن، كأنّهم لا يرون شدّة التلبّد الذي بسطوا، هم، سلطانه على وجع النّاس، كأنّه يمارس على هؤلاء الرقّ تشفّياً منهم، حتى لا تبدو من سلوكهم إلّا مظاهر الإخفاق، والإحباط، وهكذا، يسهل تدجينهم. أمّا تركيبات الخاطفين التي لا تظهر منها إلّا البدعة بعد البدعة، والمنبثقة عن دواعي القوة، فالخمول الذي بها، يكبت الرّغبة في الاستماع اليها، لأنها تنقل المنطق من الوجود الى العدم، والوطنيّة من النّور الى الظّلمة، ونظام النّسيج الآمل بالتّلاقي، من التّعايش الى الطّلاق.
نحن نعلم، تماماً، أنّ ما يعمل الخاطفون على فرضه، ليس أثراً عربيّاً صرفاً، فهم يعمدون الى طرد أيّ مواصفة عروبيّة من قائمة طقوس العرب، وخصائصهم، ليقيموا اتّجاهاً مناهضاً لأصالة العروبة، ولمسيرة تعاطي أركانها مع لبنان. وهذا الاتجاه لم يخلق من عدم، ولم يبعث مرّةً واحدة، لكنّه نشأ منذ عقود، مع طلائع الثّورة الانقلابية في بلاد الفرس، والحريصة على التمدّد في كلّ اتّجاه، مصدّرةً طبائعها ليتوسّع هلالها فوق رقعة المنطقة التي نكبت بتداعياتها، ولمّا تزل.
ونحن نعلم، أيضاً، أنّ وصول لبنان الى هذه الدرجة الكافرة من البؤس المقصود، وبشكل جامح، لم يخرج الأمر به من قمقم سليمان، ولم يتحمّل مسؤوليّته المباشرة أهله الذين فطروا، منذ كانوا، على رغد العيش، وطيب الدّنيا، والتمتّع بخصب الحياة… وهذا ليس عيباً. لكنّ رجعيّي الطّراز، المتمسّكين بأصوليّة جاهليّة، وبملحقات موروثة من أزمنة الظّلام، قتلوا وجه الوطن الوضّاح، وختموا على بريق الحياة فيه، وجثموا على أكتافه بثقل أكبر من حمله، فأحس بأنّ الموت سباه، فبعد أن غرف كثير الخير بسلاحه غير السرّي، من خدمات التّعليم والطّبابة والمصارف، ما ثبته حاجةً للأقربين والأبعدين، جعله الأوصياء خالي الوفاض، لا يحصد إلّا اليبس، ودمروا نضارة حياته، وسحقوا مقوّمات صموده، فبات شعبه حجري الملمح، وشهيد قهر أذاقه طعم الرماد.
إنّ الحضّ على العيش الحرّ الكريم، وعلى الإنعتاق من الخضوع للتبعيّة، ليس صادراً، أبداً، في الوقت الضّائع، وإن تطلب مواجهةً قاسيةً يمكن أن تكلّف غالياً، لكنّ هذه الكلفة، مهما بلغت، تبقى مشرّفة. من هنا، فالمطلوب من الجميع، وبإلحاح، لحظة لقاء مع كرامة الوطن، هذه التي تنظّم المقدرة على الدّفاع عن الحقّ والحريّة، وهي، وحدها، كفالة الخبز الطّاهر، وغير المملوك، ولا يقودها إلّا السياديّون الذين يشكّلون حالةً رفضويّةً نوعيّةً هي صرخة احتجاج عالية النّبرة على ما يأتيه المرتبطون بالخارج، وأذنابهم البلديّون، من غزوات مؤذية لمشروع التنعّم بوطن حرّ، سيّد، يتآخى مع السّلام والعافية.
إنّ الزّاد الحضاريّ الذي راكم الرقيّ في خريطة البلاد، يعمل الطّارئون على تكليس حركته، ويضعون أسلاكاً شائكةً في مساره، وأهداف هذه المؤامرة الممرحلة لم تعد خافية، أبرزها مصادرة الوطن، وتفتيت نظام قيمه، وتحويله محميّة، وصهره بمعتقدات عفا عليها الزّمن، وحكمه بفرمانات القهر… إنّ قراءة الأحداث، تحت راية القحط والتزمّت، تقودنا الى مشهد يتعثّر برهانات إيديولوجيّة تقضي على الفكرة اللبنانية، وتعتبر أنّ المفاهيم التي ختم عليها لبنان، شخصيّةً وحضوراً، قد تجاوزتها الصّيرورة التاريخيّة، وينبغي، بالتالي، إعلان موت الوطن الكلاسيكي، وإنهاء كيانه السياسيّ.
من تحت هذا الشوك الذي صنف لبنان في أوّل قائمة البلدان الأكثر بؤساً، فإمّا أن نكون توابع أو أن نولد من رحم البارود، ونثبت أنّ لبناننا لا يشبه إلّا ذاته، وأنّه ليس مؤقتاً، وأنّ شخصيّته ملتصقةٌ بحتميّة الوجود، وكأن لا وجود من دونه. وهو ليس جزءاً مسلوخاً عن مقاطعة ولها أن تستردّه، وليس ولايةً واطئةً تقدّم جائزة ترضية على طاولة مفاوضات إقليميّة… إنّ الآثار البشعة لزمن الإنحطاط الذي زجّوا به في عقر وطننا، من استعمار جديد، ورجعيّة تسمّرت في الماضي وحجبت الحريّة والعصرنة، واقتباس أعمى لثقافة الموت، وإقبال على الفساد والباطل، لا بدّ من مواجهتها، ليس بالأنين والرّنين، بل بكفاح جمعيّ يستحدث معجماً ذا محمول ولائيّ هو، وحده، إكسير حماية الوطن، ولو على كلّ شبر من أرضه شهيد.