
يتمتّع محور الممانعة بما يشعر به من “وهم فائض القوة” بهامش كبير من المناورة يخوّله الانتقال من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، ليصبح الحرام بالأمس حلالاً اليوم، ويتحوّل الممنوع بالأمس متبوعاً اليوم… تحت هذا الوهم تُخاض معركة رئاسة الجمهورية في العام 2023 بشعارات ومصطلحات تنقضّ على تلك التي كانت بين عاميّ 2014 و2016 وتَنقُضها. فالمعايير والمصطلحات تضاربت وتآكلت وفقدت مضامينها كما تبدّلت مفاهيمها، وفقاً لـ”الفاخوري الثنائي”.
لقد مارس “الحزب” ضغطاً كبيراً لانتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية و”غلّفه” بشعار “التمثيل المسيحي” آنذاك، وقال أمين عام الحزب السيد حسن نصرالله في هذا المجال في 3 تشرين الثاني من العام 2014، “نحن ندعم ترشيحاً معيناً ضمناً وعلناً الكل يعرفه. هذا الترشيح يتمتع بأفضل تمثيل مسيحي…”، ليعود ويعتمد الحزب بشكل “ملتوٍ” لاحقاً نفس المعيار في تشكيل الحكومات إذ قال في 29 حزيران من العام 2018، “ما يؤخّر تشكيل الحكومة هو غياب المعايير، والمعيار هو ما أنتجته وأفرزته الانتخابات النيابية”.
مع العلم بأن ممارسات الحزب من العام 2005 مروراً بالعام 2009 وصولاً الى العام 2022، نقضت هذا المعيار لا بل قلبته لمصلحة محوره بقوة السلاح ووهجه… من 7 أيار الى “القمصان السود” الى معيار “التمثيل الشعبي بدل النيابي”، وغيرها من الممارسات المسقطة لأي معيار قانوني دستوري أو حتى وطني.
ما يؤكد دور السلاح في الاستحقاقات هو ما كشفه عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب نواف الموسوي في 13 شباط من العام 2019 بقوله، “إن العماد ميشال عون وصل الى قصر بعبدا ببندقية المقاومة”.
اليوم ولفرض سليمان فرنجية، وبعد انقضاء أقل من سنة بقليل على الشغور الرئاسي، يمارس الثنائي الشيعي ضغوطاً مماثلة ومناورات ويعتمد معايير مختلفة ومصطلحات جديدة ومتناقضة، مع ما مورِسَ واعتُمدَ في فترة “فرض” ميشال عون.
فمن مناورة نبيه برّي أن “المشكلة هي عند الموارنة”، وحجة عدم اتفاق “المعارضة” على مرشح واحد، مروراً بزعم موافقة بكركي والاتكال على الدعم الفرنسي، وقف الثنائي مرتبكاً عاجزاً متخبطاً، أمام اتفاق المسيحيين والمعارضة ومباركة بكركي وبوادر “تغيّر” موقف فرنسا على المرشح جهاد أزعور.
فمعيار حسن نصرالله لرئيس “يتمتّع بأفضل تمثيل مسيحي، وما انتجته وأفرزته الانتخابات النيابية”، أجاب عليه مرشّحه في 18 أيار من العام 2022، إذ قال بعد فوز نجله وحيداً في دائرته الضيقة، “زمطنا بريشنا”، كما عبّر عنه نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في 29 أيار من الماضي بتفضيله معيار “الرئيس المسيحي الوطني الجامع” على “رئيس للمواجهة بخلفية طائفية”، ويقصد هنا معيار مرشّح “الكتلتين الشيعيًتين” على مرشح “إجماع الكتل المسيحية”.
الجنون تجلّى في استباق ترشيح فرنجية نفسه وقيام حسن نصرالله بترشيحه بعد بري، وفي مضمون بيان أمين عام الحزب للترشيح قال في 6 آذار من العام 2023، “ليس هناك شيء اسمه مرشّح “الحزب”، وهدف هذه التسمية هو القضاء على الشخص الذي نعتمده”، ليؤكد بعد ثوانٍ، “إن مرشحنا للرئاسة هو رئيس تيار المردة سليمان فرنجية”. هنا ضرب نصرالله بعرض الحائط معيار “الأكثر تمثيلاً مسيحياً” في محوره، أعني به جبران باسيل، لمصلحة التمثيل المسيحي الأضيق “المَقضي” عليه؛ “كونه الشخص الذي اعتمده الحزب”.
أخيراً، لجأ الثنائي الى لعبة أجادها واستعملها سابقاً هي التهديد والوعيد والتخوين وهدر الدم مع مرشّح المعارضة المفترض جهاد أزعور، علّه يخرج من ارتباكه وتخبطه. وكان أبرز اللاعبين رئيس كتلة “الحزب” النيابية محمد رعد الذي قال في 1 نيسان الماضي، “هناك خبراً نشر في إحدى الصحف ولم يتطرق له البعض وهو أن الإدارة الأميركية غيّرت وجهة نظرها تجاه مرشّح الرئاسة في لبنان، وهي لا تُفكّر بشخصيات ممن اعتاد عليها الجمهور اللبناني، بل تفكّر بشخصية لها خلفية اقتصادية” وسأل رعد، “ماذا يعني لديه خلفية اقتصادية؟ يعني أن البنك الدولي يستطيع أن يتفاهم معه، كما صندوق النقد الدولي، لمصلحة التعليمات والتوجيهات والسياسات التي يرسمها النافذون الاستكباريون للعالم من خلال هذه المؤسسات الاقتصادية الدولية”، ليعود ويكرّر في 28 أيار من العام 2023 أن “المرشح الذي يُتداول باسمه هو مرشّح مناورة مهمته مواجهة ترشيح من دعمناه وإسقاطه”، داعياً الفريق الآخر الى التوقف عن هدر الوقت وإطالة زمن الاستحقاق، كما “أسف النائب رعد لوجود أصوات ترتفع لترشح مثل هؤلاء ليصلوا الى قصر بعبدا ، مشيراً إلى أننا نريد تفاهماً وطنياً وشراكة حقيقية تحفظ البلد الذي نحرص عليه لا مرشحي بدل ضائع، في حين أن التعليمات الخارجية كانت توجه البعض في لبنان الذين يملكون الوقاحة اللازمة للتصريح علناً برفضهم وصول مرشح للمانعة، في مقابل رضاهم بوصول ممثل الخضوع والاذعان والاستسلام”.
هنا يتضّح أن معيار الثنائي والذي عبّر عنه كثيرون وأوضحهم الحاج محمد رعد، يقول إن اللعبة الديمقراطية بترشح شخص لإسقاط منافسه بالانتخابات، هي لعبة خطرة مرفوضة وضرب من ضروب المؤامرات الاستكبارية الصهيونية الأميركية، وعليه يكون على المرشح المنافس لمرشح الثنائي أن يفتح الطريق أمام منافسه ليصل ميموناً سعيداً الى قصر بعبدا، وهنا يكون “بدلاً عن ضائع” عن حق.
وللختام ما علينا إلا ان ننتظر آملين بما ستؤول اليه اجتماعات واتفاقات واعلانات واجراءات نواب الكتل المعارضة، عل وعسى نتمكّن من انتاج رئيس غير مفروض علينا لا بـ”بندقية” ولا بمصلحة اقتصادية “نفطية” ممانِعة ـ غربية، وليبقى المرتبكون على ارتباكهم والمتخبطون على تخبّطهم.
.jpg)