.jpg)
جوهر الخلاف الحقيقي اليوم ليس رئاسة الجمهوريّة فحسب، بل المشروع الذي ستحمله هذه المرحلة المقبلة من الجمهوريّة. لم يعد خافيًا على أحدٍ أنّ الصراع الحقيقي هو بين مشروعَين جوهريَّين: الأوّل سيادي- إنقاذي- إصلاحي عمقه وطني لبنانيّ، والثاني أممي – تَبَعي- فاسد. فالرّكائز التي يقوم عليها المشروع الأوّل لا يمكن إلا أن تنسجم مع البنية الحقيقيّة والطبيعيّة لأيّ دولة تبحث عن الرّقيّ والاستقرار والاستمرار والازدهار. بينما الرّكائز التي يقوم عليها المشروع الثاني فلا تنسجم بأيّ شكلٍ من الأشكال مع مجرّد فكرة تكوين دولة.
لذلك، دأب أصحاب المشروع الثاني على تفريغ الدّولة من جوهر وجودها الذي يبدأ بانتظام العمل المؤسّساتي انطلاقًا من القاعدة الديمقراطيّة الطبيعيّة، ولا ينتهي بإرساء منظومة قِيَميَّةٍ عِمَادُهَا الحقيقي الفساد، تقوم على ضرب سلّم القيم وتعتمد على القواعد الماركنتيليّة – المصلحيّة – النفعيّة – الزبائنيّة. ولتحقيق هذه الغايات ابتدعوا نهج الدّيمقراطيّة التعطيليّة كما اصطلحت على تسميته في مقالاتي السابقة؛ ونجحوا بنقل لبنان من كونه درّة الشرقين إلى تحوّله ضربة للشرقين، حيث صار رمزًا للتهرّب الضريبي وتبييض الأمول وتصدير الكابتغون والمخدرات.
أمّا الذين لم يستسلموا يومًا لهذا المشروع، لا ترغيبًا ولا ترهيبًا، فلقد حافظوا على ثباتهم واستقرارهم في قول الحقيقة مهما كانت صعبة. ولم يتنازلوا قيد أنملة عن مبادئهم. لو أنّ رياح القضايا الاستراتيجيّة الكبرى سارت بعكس سفينة الوطن التي يقودونها. بدءًا بحرب العراق ودخول السوري إلى لبنان كي لا نعود قبل ذلك إلى التآمر الدولي ضدّ هذا الفريق منذ ما قبل الحرب الأهليّة الذي قاد مشروع ترانسفير مسيحيي لبنان بالبواخر إلى عالم الغرب، وتمّ إسقاط هذا المشروع بقرار الجبهة اللبنانيّة وقتذاك بالصمود والمقاومة حتّى الرّمق الأخير. ونجح هذا القرار بالحفاظ على لبنان برغم الثمن الباهظ الذي دفعته المقاومة اللبنانيّة، بدءًا برئيسها ومؤسسها فخامة الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميل وليس انتهاء بآخر شهيد من الذين حملوا هذا الفكر الحرّ.
ولا يعني إذا العالم كلّه سار بالمسار الخاطئ أن يتحوّل هذا المسار إلى صحيح بحكم الواقعيّة السياسيّة. فالخطأ يبقى خطأ والصواب يبقى صوابًا لو سار فيه إنسان واحد. من هذا المنطلق، يأتي ترشيح أزعور من قبل المعارضة اللبنانيّة اليوم. هذا الترشيح الذي ليس مشروع هذا الفريق، إنّما تقاطع حوله انطلاقًا من كونه اليوم حاجة وطنيّة. مع إدراك هذا الفريق المسبق بأنّ التعطيل والأوراق البيضاء ستكون نجوم الجلسة الانتخابيّة.
فعلى ما يبدو، أنّ دولته على وقع التهديد بالعقوبات الدّوليّة بحقّه، لا سيّما بعد إصدار العقوبات التجريبيّة بحقّ وزيره في المرحلة الأولى، لتأكيد نيّة الفريق الدّولي بالمضي قدُمًا بتهديداته، سيسير في المسار الديمقراطي. إلا أنّ السيناريو التعطيلي لا يبدو بأنّه سيتبدّل. قد تحمل الجلسة الأولى للمرشّح جهاد أزعور عددًا من الأصوات أكثر من تلك التي كان يحصّلها المرشّح ميشال معوّض، مع إمكانيّة كبيرة لعدم التصويت لفرنجيّة من قبل أصحاب المشروع التعطيلي كي لا يظهر بموقع الضعيف انتخابيًّا. ما قد يدفع هذا الفريق إلى اعتماد تقنيّة الأوراق البيضاء المنظمة، أي من دون أن يكتَبَ أيّ شيء على هذه الأوراق ليستفيد ممّا سُرِّبَ عن تكتّل لبنان القوي وبعض النوّاب المستقلّين الرافضين حتّى الساعة السير بأزعور. بذلك يكون هذا الفريق قد أضاع ” الشنكاش الإحصائي” لفرنجيّة مستفيدًا من تسجيل أكثريّة وهميّة على مرشّح المعارضة.
من المؤكّد أنّ ترشيح أزعور لن يكسر ستاتيكو التعطيل، لكنّه حتمًا كشف المعطّلين على حقيقتهم، وفضح نهجهم المستمرّ منذ تاريخ استلامهم مقاليد الحكم بعد تسوية الدّوحة. فبعد الجلسة الانتخابيّة، لن يكون كما قبلها. فلا الموقف الدّولي سيبقى صامتًا، وحتّى موقف البطريركيّة اللبنانيّة قد لا يبقى مُهَادِنًا ومُحَاوِرًا بالقواعد نفسها بعدما كشف التقاطع على ترشيح أزعور النيّات كلّها، وتمّ إسقاط أوراق التين جميعها.
ولعلّ هذا ما سيدفع الممانعون إلى المسارعة لإخراج تسوية تحفظ لهم ما تبقّى من ماء الوجه في الساحة الدّوليّة والاقليميّة بعد المتغيّرات التي فرضها الاتّفاق السعودي – الايراني. لا سيما بعد إسرافهم في إسفافهم الإعلامي بضرب هذا المومنتم عبر إظهار هذا الاتّفاق على أنّه اتّفاق محدود لن يتجاوز الحدود اليمنيّة السعوديّة، تارةً بتنظيم عُرَيضَاتٍ عسكريّة خنفشاريّة، وطورًا بمحاولات استخفاف سياسيّة وصحافيّة لم تعد تنطلي على أحد.
بانتظار أن تنضج هذه المتغيّرات، سيبقى التعطيل سيّد الموقف، مع فارق جوهريّ يكمن بنجاح المعارضة اللبنانيّة على اختلاف أطيافها بخطوة تبنّي ترشيح جهاد أزعور بإسقاط أوراق التين عن الممانعين كلّهم حتّى باتوا عراة أمام الملء.
