
لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، يستذكر موقع “القوات اللبنانية” حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية، كتحية وفاء لمن توج نضاله بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.
كنت أجلس دائماً الى جانب والدتي واضعاً رأسي على كتفها، فكانت تبدأ باللعب بشعري وتقول لي، “لا بقا تغيب كتير عن البيت. بيّك بيضل مشغول بالو عليك وانا قلبي نقزان”.
وعبثاً أحاول إقناعها بأنني أكون مع رفاقٍ لي، نتكلم عن الحرب في لبنان وعن المعارك التي يخوضها الأبطال في المقاومة المسيحية دفاعاً عن الوطن.
كانت تجيبني بقبلةٍ على رأسي مع كلام يلخّص حنان الأم تجاه ولدها، “أنت وحيدي، ماذا أفعل إذا حدث لك شيء؟”، فأجيبها، “لينا أختي بحجم الكون”… تدمع عيناها متمتمة، “صحيح، لكن ما حدا بيحل محل حدا”.
كان كل همي، كيفية إخبارها وإقناعها بذهابي إلى دورة تدريبية كما بقية الشباب. وذات صباح أخبرتها، “سننطلق في رحلة خارج بشري. أيام عدّة ونعود”، وانطلقت نحو الباب فلحقت بي، “لويْن خدني معك”. ومن دون أن ألتفت أجبتها، “أنا ذاهبٌ إلى حيث الأبطال يسطّرون الملاحم. صليلي يا أمي”.
توجّهتُ نحو الساحة العامة في بشري حيث كانت بانتظارنا السيارة، وهناك أصبحت بجوار رفاقي. التفت إلى الوراء ومن الزجاج الخلفيّ رأيت والدتي تنظر باتجاهنا وترفع يدها لترسم إشارة الصليب وكأنها تقول، “رافقك يسوع يا بنيّ”.
وصلنا إلى ساحة جبيل حيث كان الرفاق يتجمعون، وحيث كانت بانتظارنا آليات عسكرية أقلّتنا إلى مخيّم التدريب الكبير. تعارفنا على بعضنا البعض، شبابٌ من جميع المناطق اللبنانية المسيحية، حملهم إلى هذا المكان حبّهم واندفاعهم وحماسهم لوطنهم لبنان.
بدأتِ التدريبات النظرية: استعمال السلاح، تنظيفه وإعادة تركيبه، محاضراتٌ عن الانضباط… بعدها بدأت التدريبات التطبيقية على إطلاق الرصاص، والزحف بين الأسلاك الشائكة والنيران، وكنتُ عند انتهائي من كل جزء من التدريب أشعر بالعنفوان والاعتزاز بالنفس.
كانت معموديّة النار، مناورة بالذخيرة الحيّة… ومن دون أن يدريَ أحد، غلطةٌ عسكريّة صغيرة، وإرادةُ قدرٍ كبيرة لم ترحم أمّ تنتظر وحيدها بحزنٍ على حافة وادي القديسين، ووالد يسأل كل من يراه، “أين ولدي” وأخت لا تعرف كيف تخبر والدتها ووالدها أن شقيقها استشهد.
مهداة إلى الشهيد طوني حنا إسطفان 7ـ 6 ـ 1990.