.jpg)
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1741
الاقتصاد يتكبَّد ضريبة وجودهم
58 مليار دولار تداعيات مقابل 9 مليارات مساعدات!
بَعد هذا الزمن الطويل لوطأة النزوح السوري، وهذه الأعداد المتخطية لكل المعايير نسبةً لعدد السكان، لم يعد السؤال ما إذا كانت لهذا الوضع الشاذ تداعيات سلبية على لبنان المنهك إقتصاديًا وماليًّا والشاكي من كل أنواع الأزمات، إنما حجم هذه التداعيات وتشعّبها، وما هي الحلول الممكنة للحد منها كمدخل للخروج من أزمة ما عاد لبنان يقوى على تحمّلها فوق ما يعانيه من أزمات… منافسة اليد العاملة اللبنانية، ضغط على البنى التحتية والخدمات، عبء على المدارس الرسمية. وكل ذلك علاوة على الخطرين الأمني والديموغرافي. ومن يرى في العمالة السورية حاجة للإقتصاد وفي النازحين مسألة إنسانية عابرة، فليقرأ الأرقام ويتبصّر في المستقبل ليتأكد أن المسألة تخطّت الإنسانيّات وباتت أخطر مما نتصوّر!
لطالما توزّع وتوسّع نقاش اللبنانيين بين من يعتبر الوجود السوري في لبنان بهذا الحجم عبئًا كبيرًا وتهديدًا خطيرًا، ومن يعتبره، ولغاية لا علاقة ليعقوب بها إنما للسياسة، مساعدًا للإقتصاد اللبناني ورافدًا له باليد العاملة، لا سيّما في الزراعات الموسمية والأعمال التي تتطلب مجهوداً جسدياً كالبناء والأشغال والمشاريع. لكن في الواقع أدّى تدفّق هذا الكم الهائل من السوريين إلى لبنان المضطرب سياسيًّا والمنهك إقتصاديًّا إلى ضغط إضافي على سوق العمل والبنى التحتية ونمو الإقتصاد.
وقد بات واضحًا أن الوجود السوري في لبنان إقتصادي لا أمني، بمعنى أنهم وجدوا في الوضع القائم فرصة للكسب المادي، وليس لأنهم – في معظمهم – غير قادرين على العودة إلى سوريا. في المقابل يعاني اللبنانيون من مزاحمة اليد العاملة ومن ركود الإقتصاد، وإن كانت لذلك أسباب عديدة غير النزوح.
كلفة النزوح
إن أية مبادرة لتحديد الكلفة الإقتصادية للنزوح السوري تتطلّب في المقام الأول وجود داتا علمية من مراجع موثوقة تحدد أسباب التأثير وحجمه. لكن هيئة شؤون النازحين التابعة للأمم المتحدة تُصرّ على حجب الداتا عن الحكومة اللبنانية والمنظمات المتابعة للموضوع، ما يحجب الأرقام الدقيقة والعلمية لتحديد الخسائر. هذا ما حمل المهتمين والخبراء على بناء أي تقدير للكلفة على معطيات متحركة وتقديرات تقريبية. وبحسب كلمة لبنان في مؤتمر بروكسل العام الماضي، يؤدّي النزوح إلى تجفيف إحتياطيات العملات الأجنبية، بحيث أنّ النازحين يستفيدون من الخدمات المدعومة من الدولة، حيث يُمثّل إستهلاك النازحين إنفاقاً إضافياً يصل الى مليار دولار أميركي سنويًا، والخدمات الطبية والمواد الغذائية كالخبز الذي يمثل أيضاً إنفاقاً إضافياً بحدود الثلاثة مليارات دولار، وغير ذلك من أعباء.
وقد توصّلت دراسة الأثر الاقتصادي والمالي للنزوح السوري على لبنان، بالإستناد الى أرقام التقارير التي أعدتها المنظمات الدولية المعنية من البنك الدولي الى سائر منظمات الأمم المتحدة، بالإضافة الى أرقام رسمية من عدد من الإدارات والوزارات، الى رقم أوّلي، لم تحتسب من ضمنه الأكلاف غير المباشرة أمنياً وتجارياً واجتماعياً بالإضافة الى الخسائر الهائلة نتيجة تراجع النمو. وهذا الرقم يعادل تقريباً تقديرات الأمن العام ووزارة المال التي تحدّث عن خسائر مترتبة على لبنان منذ بداية الأزمة وحتى العام الماضي بلغت 40 مليار و433 مليون دولار. وبيّنت دراسة للبنك الدولي أن هناك تكلفة مباشرة للنزوح السوري على الدولة اللبنانية بحدود مليار دولار في السنة وتكلفة غير مباشرة تصل الى ثلاثة مليارات ونصف مليار دولار. أي 4.5 مليارات دولار كمجموع كلفة النزوح السوري السنوية على خزينة الدولة اللبنانية.
حقائق بالأرقام
يشير الخبير الإقتصادي البروفسور جاسم عجّاقة إلى أن «هناك نظرية جوهرية بعلم الإقتصاد حتى تقبل دولة مضيفة باستقبال مهاجرين نازحين أو لاجئين، يجب توفّر ثلاثة شروط: أولّا أن يكون البلد المضيف يعاني من نقص ديموغرافي. وثانيًا أن يكون اقتصاده متينًا مزدهرًا حتى يمكن للنازحين أن يجدوا فرص عمل، فلا يكون تأمين معيشتهم مقتصرًا فقط على المساعدات الحكومية. وثالثا ألّا يزيد عددهم على واحد في المئة من عدد السكان سنويًا. والملاحظ أن هذه الشروط الثلاثة غير متوفرة في حالة لبنان، لذلك فالإقتصاد هو من دفع الثمن بطريقة أو بأخرى».
ويشرح عجّاقة لـ«المسيرة»: «إذا بدأنا بالشرط الأول أي النقص الديموغرافي، فيتبيّن أنه غير قائم، إذ لا نقص ديموغرافيًّا في لبنان. وهذا يعني أن كل نازح قادم يزيد في عدد السكان ويزيد في الإستهلاك والطلب، ليس فقط على السلع والبضائع بل أيضًا على الخدمات، وخصوصًا الخدمات العامة مثل الطرقات والكهرباء والمياه والصرف الصحي وغيرها. وهذا يؤدي تلقائيًّا إلى انخفاض في مستوى الحياة نظرًا إلى أن زيادة الطلب ترفع الأسعار. ناهيك عن عمليات التهريب». ويلفت إلى أن «حالة لبنان ليست كحالة إلمانيا مثلاً حيث هناك نقص في اليد العاملة لتلبية حاجة الإقتصاد».
أما بما يخص توفر الشرط الثاني الحائل دون أن يشكِّل النزوح خطرًا على البلد المضيف وهو وجود إقتصاد نامٍ ومتين، فيقول: «حتى قبل الأزمة القائمة منذ العام 2019 كان اقتصادنا يترنّح، والكل يعلم ذلك. وفيما كانت البلدان الأخرى تسجِّل نموًا إيجابيًّا كان الإقتصاد اللبناني يسجل مستويات نمو متدنية قريبة من الصفر. لذلك فقد قضى النزوح على القليل المتبقي لحركة الإقتصاد، فراحت اليد العاملة السورية تنافس اليد العاملة اللبنانية خصوصًا في مناطق مثل البقاع وعكار حيث كانت المنافسة شديدة. وفي المرحلة التالية باتت المنافسة أعلى حيث راح النازح ينافس رب العمل وليس العامل فقط، وبات هو من يستثمر الأرض في الزراعة ويستثمر المحال في التجارة وغيرها. وطبعًا يُشغّل سوريين لا لبنانيين، وبالتالي بات مضاربًا للمؤسسات اللبنانية وليس فقط للأفراد. يُضاف إلى ذلك أن الأموال التي يكسبها السوريون تذهب إلى الخارج ولا تعود فتدخل دورة الإقتصاد المحلي وتساهم في تنميته لا عبر الإستهلاك ولا عبر الإستثمار أو حتّى الإدخار».
وفي ما خص الشرط الثالث يوضح أن «نسبة الواحد في المئة كحد أقصى للوافدين من عدد السكان لم تُحترَم، إذ وصلت عندنا إلى ما كاد يقارب الـ50 في المئة على فترة 12 عامًا، وهذا العدد يعطي سنويًا 5 في المئة مقارنة مع كندا التي لا تستقبل إلا 50 ألف نازح سوري فيما عدد سكانها 38 مليونًا أي أقل من 0,01 في المئة. ومثل آخر هو حالة أوكرانيا حيث لم يستوعب الإتحاد الأوروبي أكثر من 4 ملايين أوكراني اضطروا إلى ترك بلادهم بسبب الحرب، مقابل 480 مليون أوروبي، ما يعني نسبة 0,83 في المئة سنويا إلى عدد السكان».
ويشير إلى أن أي شرط من هذه الشروط الأساسية الثلاثة لم يتحقق. لذلك فالإقتصاد هو من يدفع الثمن ويتكبّد الخسائر. وهذه الخسائر قد تكون مباشرة مثل تلك الناتجة عن إستهلاك الكهرباء من دون بدل، واستهلاك الطرقات وكذلك البنزين، الذي كان مدعومًا، علاوة على التهريب وغيرها من الأمور. وهناك أيضًا التداعيات غير المباشرة ومنها غياب الفرص الإقتصادية. وإذا كانت التداعيات المباشرة تقدّر بحوالى 1,7 مليار دولار سنويًّا ما بين الـ2011 حتى الـ2019، فهي بلغت أكثر من ذلك بنتيجة الدعم الذي كان على العديد من السلع في السنوات من 2020 إلى 2021، أي ما يصل مجموعه إلى ما يقدّر بـ18 مليار دولار. أما التداعيات غير المباشرة فتقدّر بحوالى الـ40 مليار دولار. إي أن المجموع العام لتداعيات الوجود السوري في لبنان يصل إلى 58 مليار دولار. في المقابل لم تتلقَّ الحكومة اللبنانية كمساعدات إلا 9 مليارات دولار. وهذا كافٍ لمعرفة الحقائق وتبيان الخسائر.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]