#adsense

أبونا يعقوب البدوي… المقاوم الفخور بالبدلات الزيتية

حجم الخط

تعددت صفحات النضال وبقي المضمون واحداً، القضية والمقاومة والشهادة. لكل مقاوم حكاية ومواجهة مع الموت ولكل رفيق طريقه وطريقته. هم أبطال، كانوا في وسط المواجهة، وضعوا حياتهم على كفهم وقدموها عربوناً للوفاء وإصراراً على البقاء. من قلب النار قاوموا، وبحروف من وجع ودم، وقعّوا أعظم الحكايات، ففاح بخور صمدهم على مذبح الوطن. 

 

لمّا كان المجلس الحربي ثكنة عسكرية لمقاتلي “القوات اللبنانية”، وعندما يحين وقت الغداء، كنا نرى كاهناً شاباً يأتي ليشارك الشباب طعامهم، يبارك الموائد ثم يجالس الشباب يمازحهم يدللهم، وعندما ينتهي من تناول طعامه، يحمل كميات كبيرة من الوجبات ويتوجه بها الى باحة المجلس الفسيحة حيث يتجمع عدد من المشردين أو الفقراء الذين يتناوبون يومياً الى المكان للحصول على وجبة الغداء، وكل يوم أحد او في أي مناسبة دينية، يقيم القداديس في كنيسة المجلس. كنا في بداية الدرب في المهنة وفي “القوات”، وكنّا نعتبر أن هذا المكان بيت للشباب المقاتلين فقط، فماذا يفعل كاهن بين هؤلاء؟! مرّ الوقت، واندلعت حرب التحرير، وصرنا نسمع أخباراً من هنا وهناك عن أبونا اسمه يعقوب البدوي، يلحق بالشباب حتى الى المتراس، يهتم بغذائهم الروحي، منه يتناولون القربان المقدس ومعه يتلون صلواتهم اليوميّة ومنه يستمدون القوة الروحية لمواجهة الاحتلال، “لمّا كرّست حالي للشباب كنت مدير مدرسة للموسيقى، تركت كل شيء والتحقت بهم لقناعتي انو هالشباب يدافعون عن استقلال لبنان وعن القيم الانسانية والاخلاقية للناس، لذلك استقلت من المدرسة وانطلقت في العمل الروحي معهم” يقول أبونا يعقوب.

الجبّة السوداء مقاومة أيضاً. وبالجبّة السوداء قاوم الرهبان القدامى الذين سكنوا المغاور ووعر الجبال، قاوموا المحتلين والغزاة، بالإيمان وبمساعدة الناس وبالعناد والتشبث بالأرض، واجهوا بواريد المحتلين عبر السنين، واسألوا وادي قنوبين ووعر الجبال في جبة بشري وغيرها.

“كانت مرحلة صعبة كتير لأن هالشباب تركوا كل مباهج الدني وندروا حياتهم للدفاع عن لبنان، وأنا عشت معاناتهم، كنت استمع اليهم واقول لهم قبل الذهاب الى المواجهة إنهم يواجهون الشرّ لأن هذا وطن الرب والآخر يريده وطن الشياطين، وطننا زغير بس ما حدن بيشبهو، وإنتو عم تدافعوا عن هالقيمة الربانية، إنتو عم تدافعو عن قيم لبنان الانسانية والروحية”، كان يقول لهم أبونا بدوي، الذي لم يكتفِ بالإرشاد الروحي لهؤلاء الأبطال، إنما كان يزورهم في قلب المتاريس الملتهبة غالباً بالبارود والنار. “كنت زورن بالمتراس او بالثكنات ونصلي سوا، يعترفوا ويتناولوا القربان المقدس حتى ع الجبهة، وما يتركوا القداس لو شو ما صار، وأحياناً كنا نتلو الذبيحة الإلهية على صوت المدافع والرشاشات، كنت أبارك ما يفعلون لأنهم يمنحون حياتهم فداء عن الأرض، كانوا يموتون بغزارة لتبقى هذه الأرض حرة، يموتون لتحيا قيم المحبة والنضال لأجل لبنان، لبنان وطن الله ما حدن ينسى هالشي أبداً”، يقول أبونا بدوي بتأثر كبير، هو الذي شهد على استشهاد شباب كثر كانوا تناولوا القربان المقدس قبل الذهاب الى الجبهة، “وهيك يا بونا إذا استشهدنا منكون تقدسنا بجسد الرب قبل ما نفل”، يقولون له ويودعونه على أمل اللقاء.

“كانوا شجعاناً أحرار، قلوبهم ممتلئة من بركة هالأرض، ما بنسى وجوهن بس يروحوا ع المتراس ولا بنسى دمائهم يللي زينت بدلاتهم، وصاروا لأجل المسيح شهدا مقاومين” يقول.

هي حكايات وحكايات ملحمية عاشها الكاهن المقاوم مع مقاومين كلّ ما فعلوه أنهم قرروا أن يكونوا متراساً بين الكرامة والذل، “وبالآخر بيطلع ناس يحكوا عنهم بالعاطل ويقولوا عنهم زعران أو ما شابه؟ كتير بيزعلني هالحكي، أنا عشت معهم أصعب الأيام، وبدل أن يشكروهم ويكرمونهم يشنون عليهم حروباً إعلامية وعسكرية أيضاً؟! هذه خيانة، مش بس لنضالهم إنما للبنان الوطن والإنسان”، يقول أبونا بدوي الغاضب من الوضع الحالي، وهو المسافر الى خلف البحار حيث يتولى أمر رعية مكسيكو في كنيسة سيدة لبنان، ومن هناك يتابع يومياً ما يجري في لبنان، “بلبنان مجموعة مسؤولين لازم يكونوا بالحبوسة وليس على الكراسي، لبنان بعدو محتل، وأخطر ما يواجهنا هو النزوح السوري، ماذا يفعل هؤلاء في لبنان، لماذا لا يعودون الى بلدهم؟ فلتساعدهم الأمم المتحدة على العودة وليس على البقاء هنا، هيدا احتلال خطير متل السوري والفلسطيني، والمسؤولين بلبنان باعوا البلد بحفنة دولارات، نحنا عم نواجه دولة حراميي وهيدي حرب أصعب بكتير من المتراس والبارودة” يقول.

لو عادت الأيام الى الوراء، هل يكرر أبونا بدوي التجربة ويلتحق بالمقاومين، أم لعله ندم على تلك المرحلة؟ يجيب باستنكار “شو؟ أبداً أبداً على العكس، لو عاد الزمن الى الوراء، أعود معه كما كنت تماماً، لم اندم لحظة واحدة، بل أنا فخور بما فعلت مع هؤلاء الأبطال، أنا عايشتهم، والآن أنا أقاوم بالثقافة والإيمان، أعلّم الموسيقى واللغات، عمّرت كنيسة مار شربل هنا، وأقوم بجولات في مناطق عديدة وأنشر ثقافة بلادي حيث أنا، كنيستي هي واجهتي على الربّ والإنسان، ومن يسألني عن الماضي أخبره بفخر واعتزاز عن نضال البدلات الزيتية المقاومة”.

هل لا يزال متابعاً لأخبار الشباب؟ هل يزور الحكيم عندما يأتي الى لبنان؟ يضحك من قلب قلبه، “أكيد، أكيد أزور الحكيم كلما أعود الى لبنان، سمير جعجع هو الإنسان الوحيد النظيف الملتزم بلبنان والكل متفق على هذا الموضوع، الحكيم ضحى بحياته لبناء وطن مع رفاقه والكل يريدون الانتقام منه لأنه نقيضهم ولأنه يكشفهم، كلهم تعاونوا لإعدام لبنان الا الحكيم بقي كما هو صلب بإيمانه ومواقفه ومبادئه”.

يقولون الإيمان صخرة لا تتزحزح مهما جنّت من حولها العواصف، أما زال الكاهن المقاوم مؤمناً بقيامة لبنان؟ “ما حدن يقول ضاع البلد”، يجيب كمن يصرخ على بلاده، “ما ضاع لبنان والدليل استمرار وجود المقاومة بأوجه متعددة، تضحيات الشباب لم تذهب هدراً، عليهم أن يعلّموا أولادهم القيم التي تعلموها وعلى أساسها انطلقوا في المقاومة، نحن معاً وبصلاتنا وبإيماننا الصلب بلبنان سنعود ونبني بلادنا. لبنان قلب الحنان عمّروه بقلوبكم”، يقول.

لبنان قلب الحنان عمّروه بقلوبكم، أي كلام هذا، أي حب هذا، أي حنين ذاك، لأرض صارت مستحيلة، نحبها ولا تبادلنا الا النكران “أبداً ما تقولي هيك فيرا حرام، قلوبنا بتضل تبكي ع بلادنا هيدا كفر، رح نبقى ندافع عن أرضنا لاسترجاع لبنان الحقيقي، وربنا مش رح يتركنا، المهم أن تؤمنوا وتؤمنوا وتؤمنوا”.

كله إيمان، هي حكاية إيمان منذ البدايات، بالجبة السوداء بالبدلة العسكرية لا يهم، كلها مقاومة لمجد الإله، لمجد كرامة الإنسان، لمجد سيادة التراب والسماء، هكذا قال أبونا بدوي وهذا ما فعله ويفعله حتى اللحظة الأبونا المقاوم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل