اقترعوا… من أجل الجمهورية

حجم الخط

“أولئك الذين لا يتعظون من دروس التاريخ محكومون بتكراره”، يقول الكاتب الفيلسوف جورج سانتايانا. بالإجمال، يتذكر الناس الحروب والكوارث أكثر مما يتغنون بفترات السلم والطمأنينة، لأنها تترك ندوباً نفسية واجتماعية يصعب محوها. وقد تكون بعض صور التاريخ السلبية والكارثية انعكاساً حتمياً لصراع الطبيعة البشرية بين الخير والشر وتضارب الأيديولوجيات والمشاريع والمصالح.

في هذا السياق، تاريخ الانتخابات الرئاسية اللبنانية، وأكاد أقول تاريخ لبنان، ليس استثناء، وهو غني بالعبر والأحداث، ولو أن لكل انتخابات جرت، طابعها وظروفها وشخصياتها وسياساتها. يتكرر التاريخ عندنا عند كل استحقاق رئاسي بالكلام عن التدخلات الخارجية والظروف الدولية والتوافقات العربية والتسويات الداخلية وموازين القوى التي غالباً ما تأتي بالرئيس من شارل دباس الى ميشال عون.

في الوقائع، منذ انتهاء عهد الرئيس السابق أمين الجميل بات الفراغ الرئاسي أمراً يتكرر عند انتهاء كل عهد باستثناء حقبة الاحتلال السوري ووصايته على تطبيق إتفاق الطائف. وفي كل مرة، يترافق الفراغ مع حروب وأحداث تزيد من هموم ومصائب اللبنانيين، (حروب التحرير والإلغاء أواخر الثمانينات، اغتيالات نواب وقيادات 14 آذار بعد العام 2004 لغاية 2008، اجتياح بيروت والجبل 7 أيار 2008، نقض اتفاق بعبدا 2014، الانهيار المالي والاقتصادي الذي نعيشه اليوم).

لقد مرّ أكثر من تسعة أشهر على بداية الاستحقاق الرئاسي الأخير ونحن في الفراغ، بل في دوامة انتخاب رئيس جديد. وبرغم

بعض الشوائب الذي يعتري النظام والدستور الذي يحمل في تفسيره امكانية التعطيل (نصاب الثلثين والثلث المعطّل)، فالعلة في مجمل الأحيان تكمن في تطبيقه وفي سلوك بعض الكتل النيابية المسؤولة أولاً وآخراً عن تعطيل الانتخاب ما لم تأت بالرئيس الذي تريد. لسنا اليوم في معرض البحث بضرورة تطوير النظام وتحديث الدستور، لا سيما أن الأنظمة السياسية التوافقية المعتمدة في الكثير من البلدان ذات التعددية المجتمعية مثل لبنان، تحتاج في تطبيقها للديمقراطية الى كثير من الوعي والنقاشات والتفاهمات الدائمة والمستمرة.

السبب الأساسي لمأزق اليوم، أن حزب الله وحركة أمل وحلفاءهما يحاولون فرض انتخاب رئيس للجمهورية موال لهما، لا يطعن “المقاومة” في الظهر وفق ما يقولون وينتمي جهاراً الى محور ما يسمى “الممانعة”!! وبمنطق مشابه للتعنت السوري العام 1988 الذي عبّر عنه ريتشارد مورفي بعبارة: “مخايل الضاهر أو الفوضى”، يحاولون اليوم تمرير انتخاب مرشحهم بالتهويل: “فرنجية أو الفراغ”.

واذا كان للرئيس بري أسبابه ومصالحه التكتية كمثل الحفاظ على دوره وموقعه الشخصي وعلى مكتسبات الحركة والطائفة في إدارات الدولة ومواقعها في السلطة، فإن لحزب الله دوافعه الإستراتيجية التي هي في أساس خلافه العميق مع غالبية اللبنانيين.

ببساطة، هدف الحزب السيطرة على الدولة والقبض على قرارها الاستراتيجي أي قرارات الحرب والسلم، والسياسة الدفاعية والأمنية والخارجية والاقتصادية. ناهيك عن تطبيق الحزب للنموذج الإيراني بكل أوجهه على مستوى الدولة، وأهم هذه النماذج وجود حرس ثوري) أي ميليشيا أو جيش رديف) ومرجعية المرشد الأعلى الذي يبارك انتخاب رئيس الجمهورية بعد أن يكون قد انتقاه هو بالذات.

يخطئ الحزب باستغلال فائض قوته العسكرية للتصرف بذهنية المنتصر الذي يملك الحق في كتابة التاريخ… والحاضر. ويخطئ أكثر اذا ما ظن أن لحظة التفاهمات السعودية ـ الإيرانية والتقارب الإقليمي مع سوريا، تخوله فرض رئيس ممانع وموال يضمن له مسك الدولة بكل مفاصلها وإخضاع اللبنانيين لمرجعيته إسوة بما كان يحصل في فترة الاحتلال السوري ومرجعية عنجر.

رئيس الجمهورية اللبنانية هو رأس الدولة والسلطة. هو عنوان السيادة التي وفق جان بودان هي السلطة الأعلى والمطلقة والدائمة على المواطنين والرعايا في الدولة، فالسيادة مرجع يؤمن الصالح المشترك للجميع وصالح كل فرد من جهة، وروح الجمهورية من جهة ثانية، فلا تعد الجمهورية جمهورية إن لم يكن فيها قوة سيّدة توحد كل أعضائها وأجزائها. هنا تكمن أهمية هوية الرئيس المقبل السيادي الإصلاحي، وهنا تبدأ مشكلتنا مع الحزب، وهنا قد تنتهي اذا ما وعى الثنائي حزب الله ـ أمل أولوية هذه الحقائق ـ الثوابت وقبلوها وعملوا وفق مقتضياتها.

مسؤولية النواب اليوم، كل النواب، ليس الاختيار بين شخصين فحسب، بل بين مشروعين: مشروع دولة القانون السيّدة الجامعة العصرية، ومشروع الولاية المستولية على الدولة بقوة السلاح. مشروع جمهورية الحياة والانفتاح مقابل دويلة الفشل والعزلة. مشروع توافقي إنقاذي جدي يمثله جهاد أزعور، ومشروع تحدٍ وفرض وهيمنة ومزيد من الانهيار يمثله سليمان فرنجية. لا مكان هنا للمواقف المترددة والرمادية والمتخاذلة، بل لكلام من نعمل وفق مشيئته: “ليكن كلامكم نعم نعم، ولا لا”.

نحن في القوات اللبنانية، الى جانب كل اللبنانيين المؤمنين بقيام دولة فعلية، نرفض عزل أي طائفة حتى ولو عزلت نفسها، لكننا بالتأكيد لن نقبل منطق الفرض والتخوين والتهديد والوعيد الذي نسمعه كل يوم من مراجع روحية وزمنية ونيابية، يبيحون فيه لأنفسهم ما يعيبونه على غيرهم قولاً وفعلاً.

لقد قلنا كلمتنا ومشينا، فإما القبول بإجماع غالبية اللبنانيين وبخاصة المسيحيين بأحزابهم وكتلهم وطوائفهم حول من اختاروه للرئاسة، أو الاحتكام الى الدستور والذهاب الى معركة انتخابية ديمقراطية يفوز فيها من يجمع العدد الكافي من أصوات النواب.

قد يكون التاريخ ظالماً بحق شعبٍ ما اذا ما اخطأ في حقبة معينة أو عاكسته الظروف، لكنه أيضاً منصف بحق الذين يتصرفون بوعي وعزم وبطولة. القرار اليوم وبعد غد وفي القابل من الأيام هو بيد نواب الأمة، فإما يقترعون لإنقاذ الجمهورية وإما التاريخ يعيد نفسه في مزيد من الأزمات والنكبات والانهيار.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل