Site icon Lebanese Forces Official Website

بائع البطيخ الذي حكم تركيا

كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1741

بائع البطيخ الذي حكم تركيا

هكذا نجح أردوغان بالوصول الى الإمبراطورية!

لم يكن يعتقد من عرف رجب طيب أردوغان في فترة صباه، أن هذا الرجل سيحكم تركيا لأكثر من عشرين سنة متتالية. إلا أن بائع البطيخ الفقير القادم من ضواحي إسطنبول غيّر بلاده رأساً على عقب، فنقلها من تحت جزمة العسكر و”الدولة العميقة” وديكتاتورية العلمانيين إلى مكان مختلف كلياً، فكيف فعل ذلك وما هي عناصر قوته؟

خاض أردوغان 16 منافسة انتخابية وفاز فيها كلها. هذه القوة الشعبية مردها إلى عوامل عديدة راكمها الرجل وعرف كيفية الاستفادة منها. في شبابه، ترك عربة البطيخ لينتقل إلى أحد نوادي كرة القدم، فيلعب بشكل شبه احترافي مع نادي “قاسم باشا”. إلا أن السياسة كانت شغفه الأكبر، فترك عالم الكرة ودخل إلى عالم السياسية منتسباً إلى الأحزاب التي أسسها “أب الإسلام السياسي” نجم الدين إربكان. في ختام هذه التجربة، زاد أردوغان نفوذه في إسطنبول، بعدما بات رئيس “المنظمة الشبابية لحزب الرفاه” الذي ترأسه إربكان، فانتهى به الأمر مرشحاً وفائزاً في منصب رئيس بلدية اسطنبول عام 1994.

لم يستهوِ علمانيو تركيا والدولة العميقة المؤلفة من كبار رجال الجيش والأمن والإعلام والأعمال جرأة إبن الأحياء الفقيرة، فحاكموه بتهمة “الحض على الكراهية الدينية” وسجنوه 4 أشهر بعدما جرّدوه من منصبه كرئيس بلدية، وذلك بعد تنفيذ الجيش لانقلاب عسكري عام 1997.

في تلك الفترة، كان نجم نجم الدين إربكان على وشك الأفول، والصراعات داخل أجنحة حزبه تأخذ بُعداً خطيراً. قسمٌ تقليدي إسلامي مؤلف من كبار السن، ويرى ضرورة تغيير هوية تركيا بسرعة، وقسم آخر غير تقليدي مؤلف من الشباب. كان أردوغان الركن الأساسي في القسم الثاني، فانشق عن حزبه وأسس حزب “العدالة والتنمية” الذي فاز، بعد تأسيسه بسنة وبضعة أشهر، بأغلبية المقاعد البرلمانية عام 2002.

الوصول إلى السلطة شيء، والحصول علي قدرة ممارستها شيء آخر. بات أردوغان وحزبه يملكون الأكثرية البرلمانية ورئاسة الحكومة والوزراء، لكن السلطة الفعلية لم تكن بيدهم بل بيد الجيش التركي والدولة العميقة. لم يواجه أردوغان أخصامه داخل النظام السياسي بشكل مباشر وصدامي، بل راح باسم الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، يعيد ترتيب وإصلاح القوانين داخل تركيا. عدّل في صلاحيات “مجلس الأمن القومي” الذي يسيطر عليه العسكر، كما جرد بعض أجنحة المؤسسة العسكرية من نفوذها السياسي “تماشياً مع معايير الاتحاد الأوروبي”.

راح أردوغان يتحالف مع رجال الأعمال من جهة والطرق الصوفية من جهة أخرى. قدم للمجموعة الأولى الليبرالية والجنات الضريبية وسهولة الاستثمار، فرأت مصلحتها المباشرة التجديد له في كل انتخابات. أما الطرق الصوفية، فحاباها عبر تعزيز الإسلام في الفضاء التركي العام، وتشجيع الشباب على التديّن وإدخال التعليم الديني إلى المدارس وبناء آلاف المساجد.

الأيادي الأخطبوطية “الأردوغانية” امتدت إلى الإعلام، فاشترى حزبه عشرات المؤسسات الإعلامية، ووضعت الدولة يدها على عشرات المؤسسات غيرها. كما راح حزب “العدالة والتنمية” يُنشئ الخلايا والتجمعات داخل كل شيء وفي كل مكان، في النقابات والتجمعات النسائية، إلى رجال الأعمال وقبضايات الأحياء… وصلت الأيادي “الأردوغانية” إلى كل مكان.

على الصعيد الخارجي كذلك، راح الخطاب “الأردوغاني” يتمدد على حساب الخطاب الكلاسيكي التركي غير المعني بشؤون الشرق والغرب. تدخل أردوغان في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، كما في الصراعات العربية والبلقانية والقوقازية والأفريقية. تم تقديم تركيا إلى الجمهور التركي، كدولة رائدة معنية بكل ما يجري في المنطقة ودولة مركزية لها كلمة في كل شيء.

هذه السردية عززت من البُعد القومي وما يقدمه من افتخار في وجدان الأتراك، فيما ساهمت التنمية والإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والاستثمارية وفي البنى التحتية التي عمل عليها أردوغان وحزبه في تعزيز شعبيته.

في مقابل هذه الإيجابيات، كانت السياسات “الأردوغانية” المعنية بحقوق الإنسان والحريات العامة والأقليات وغيرها في أسفل الدرك، إذ تم نقض الكثير من الحقوق التي مفترض أن يحصل عليها أي تركي.

واءم أردوغان بين الإسلام السياسي الذي يمثله، وبين هوية الدولة العلمانية. قدم نفسه تغييرياً “من تحت إلى فوق” وليس العكس. أي أنه سعى إلى كسب تأييد الناس، وتعديل القوانين رويداً رويداً، من دون الذهاب بعيداً بفرض تغييرات جذرية قد تودي به إلى الهلاك والخروج من السلطة.

في العام 2016، كادت المحاولة الانقلابية أن تطيح بأردوغان، لولا نجاح رد فعله وحركته السياسية والشعبية السريعة. انتهى الانقلاب بالفشل، وبرد فعل من أردوغان ساهم، بشكل مباشر، بتطهير الجيش من “العناصر غير الموالية”. فأعاد تشكيل الجيش على سجيته، وأفقده أي قدرة على لعب أي دور سياسي حقيقي.

قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة بشهر فقط، افتتح أردوغان عشرات المستشفيات في الولايات التركية، كما دشن الجسور الضخمة، وأطلق سيارة “توغ” الكهربائية المحلية الصنع، وكشف عن طائرات مسيّرة جديدة، وأطلق العمل بأول حاملة طائرات تركية. هذا “التقدم” والتحديث الذي أجراه أردوغان لم يكن إلا لصالحه، ولم يساهم إلا في نجاحه الانتخابي، ليس لأنه يستحق، إنما لأن أخصامه ضعفاء.

أخصام أردوغان هم ائتلاف من بضعة أحزاب لا يملكون برنامجاً موحداً للحكم، إنما هم ضد أردوغان لا أكثر.

ويبدو أن من حكم تركيا ومجتمعها المركب والمعقد لعقدين من الزمن، لن تمنعه اليوم بضعة أحزاب غير متماسكة من استكمال مشروعه السياسي، فيكون هو المتربِّع على رأس السلطة في تركيا في ذكرى تأسيسها المئوية الأولى.

هذا “الحلم” الذي غالباً ما أفصح عنه أردوغان في مقابلاته التلفزيونية، لن يمنعه عنه أحد، حتى وإن اضطره الأمر فعل المستحيل للبقاء في السلطة. وثمة من يؤكد أن من واجه المؤسسة العسكرية و”الدولة العميقة” والعلمانيين لم ولن يخسر أمام معارضة هشة لا تستطيع حتى أن تُقدِّم رؤية جدية ومتينة لتركيا.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version