لم يستهدف أحد علناً حتى الآن إدارة رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسات الانتخابية علماً بأن التعليقات خارج الجلسة وفي الأوساط السياسية طاولته لجهة تجاوزه الورقة الملغاة في الجلسة الثانية عشرة علماً بأنه حين يفتح مغلفاً فارغاً، كما بُرّر ذلك لاحقاً، فإنه يعلن فوراً أن لا ورقة أو اسم فيه إحقاقاً للشفافية في ظل الاشتباه في أن الرقم 60 حُجب عن جهاد أزعور عمداً لأن الرقم 60 يبقى له تأثير معنوي ونفسي كبير ولو بصوت واحد عن 59، وكان يمكن أن يساهم في تقريب أزعور أكثر من الأكثرية المطلوبة في الجولة الثانية. والأمر نفسه يؤخذ على إدارة بري لكونه طرفاً وغير حيادي كرئيس يُفترض أنه مرجعية لجهة مسارعته الى إقفال الجلسة نتيجة انسحاب نواب كتلته بدلاً من دعوتهم الى العودة لانتخاب رئيس للجمهورية، إذ إن استكمال العملية الانتخابية كان سيؤدي الى انتخاب رئيس من دون الحاجة الى تغطية هذا التصرف ببيان لاحق يدعو الى الحوار على نحو مستغرب لأنه يعيد طرح السؤال الأساسي: من يدير الحوار، وعلام إن كان نواب الثنائي خرجوا بخلاصة رفض الاعتراف بأرجحية الرئاسة للفريق الخصم السياسي لهما؟
فما حصل يُعدّ طعناً في العملية الديموقراطية فيما مجلس النواب الأميركي المنقسم على نفسه بين الجمهوريين والديموقراطيين عقد جلسات متواصلة حتى انتخاب رئيس له. وترجمة هذا الطعن هي تحكّم الأقلية مهما يكن عدد الأصوات التي استطاعت هذه الأقلية تأمينها لمرشحها رئيس تيار المردة سليمان فرنجية والتي يقول مطلعون إنه حصل على بعضها من التيار العوني الذي يضع رجلاً في البور وأخرى في الفلاحة. وتحكّم الاقلية بالاكثرية إنما ينسف ممارسة النظام الديموقراطي من أسسه ويهدد مفهوم التوافق والحوار كذلك. وكيف يعطل انتخاب رئيس كان في متناول اليد للتذرع بالذهاب الى حوار كان يمكن أن يحصل في ساعته في المجلس وحتى إقناع البعض بهذا الخيار أو ذاك.
إن كان للمنطق مكان في إطار ما حصل، يفترض أن الجلسة الانتخابية الرقم 12 تطيح خياري فرنجية وأزعور: الأول نتيجة الرفض العارم من المكونات المسيحية والثاني نتيجة رفض الثنائي الشيعي. هذا التوازن ولو بأرجحية للمعارضة مع التيار العوني يجب أن يقود الى إلغاء الاثنين تحت طائل الذهاب الى تعطيل طويل الأمد. ولكن الأمر يتطلب أكثر من اقتناع الثنائي الذي يخوض معاركه الخاصة من حيث إن بري غير قادر بعد برغم خياراته الرئاسية على رأب الصدع مع النظام السوري الذي وضع من حيث إعادته الى الجامعة العربية بري في مكان صعب ولم يستطع بعد إعادة علاقته معه، فيما الحزب يسعى في الظروف الراهنة وما بعد الاتفاق السعودي الإيراني الى اغتنام المناسبة لفرض شروطه وشرعنة سلاحه كما يرجّح البعض، إذ إن الفترة ما بعد الاتفاق السعودي الإيراني لا تزال في ضياع وغير واضحة بدليل مؤشرين: عدم تقدّم الحل في اليمن واستمرار تعنّت الحوثيين في فرض شروطهم على رغم إعادة العلاقات الديبلوماسية بين السعودية وإيران. وخلال انعقاد مؤتمر التحالف الدولي لمواجهة داعش في الرياض أخيراً، وفيما أشاد كل من وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ووزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا بالاتفاق السعودي الإيراني، فإن الاثنين دعوَا الى انتظار التنفيذ للحكم عليه فيما هذا التنفيذ بطيء ولا يسلك بسهولة. والمؤشر الآخر يبدو في تريّث مصر إزاء إعادة العلاقات مع إيران بناءً على الوساطة التي قام بها سلطان عمان طارق بن هيثم. وهذا التريّث يعزوه البعض الى تنسيق سعودي مصري يتصل بعدم إقلاع الاتفاق السعودي الإيراني في الواقع، وهو ما يشهده لبنان كذلك في ظل ثقة الثنائي الشيعي بتأمين انتخاب فرنجية ربطاً بعدم وجود فيتو عليه وربطاً بإعادة نظام بشار الأسد الى الجامعة العربية.
وفيما أعلن نواب الثنائي بعد الجلسة، على رغم ما انتهت إليه الأصوات ومعانيها، تأكيد التمسك بمرشحه، فإن الذي لا يقل أهمية هو مواقف بعض الدول المؤثرة وفي مقدمها روسيا التي عوّلت بقوة وضغطت ما أمكن من أجل انتخاب فرنجية الذي تراه مناسباً وفق حساباتها للمنطقة ومصالحها. وكذلك الأمر بالنسبة الى فرنسا التي ليس واضحاً ما إن كان تعيين الوزير السابق جان إيف لودريان موفداً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الى لبنان يعكس تبديل موقفها. وعلى ذمة معلومات ديبلوماسية، فإنه حين سئل لودريان من البعض قبل أيام قليلة عما إن كان تعيينه مؤشراً الى تغيير المقاربة أو السياسة الفرنسية تجاه لبنان، نفى ذلك. وهو أمر قد يبدو غريباً انطلاقاً من أن زيارة البطريرك الماروني بشارة الراعي للإليزيه أعادت التذكير بالدور المسيحي الوازن الذي يجب المحافظة عليه في لبنان فيما المقاربة الفرنسية للمعادلة الرئاسية أطاحت هذا التوازن كلياً لمصلحة أرجحية إعطاء الثنائي الشيعي القدرة على تسمية الرئيس المسيحي بغضّ النظر عن مواقف القوى السياسية المسيحية. ويرى كثر أن مواقف “حزب الله” على غرار إعلان رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد أن فرنجية هو مرشح المقاومة كما قال أنهكت الدعم الخارجي لفرنجية فرنسياً وحتى أميركياً، في ظل عدم معارضة واشنطن وصول فرنجية كذلك في الأساس. ولكن الرقم الذي حققه أزعور في مقابل فرنجية يُفترض أن تأخذه الدول المعنية في الاعتبار وتبني عليه من أجل السعي الى مرشح ثالث بالحد الأدنى، ما لم تحاول أن تؤمن من جديد ائتلافاً أو تقاطعاً انتخابياً لمصلحة فرنجية، على رغم إدانة التقاطع أو الائتلافات من جانب الثنائي الشيعي والحملات ضد المعارضة التي تقاطعت مع الآخرين، وذلك على قاعدة قدرتها على التحكم بلبنان على رقعة الشطرنج التي تتبادل من خلالها النقلات وتتقدّم أو تتأخر في اتجاه تحقيق مصالحها الخاصة وحساباتها فيما لبنان ينهزم ويتدحرج أكثر الى الهاوية. وإصرار نواب الثنائي على رفض الإقرار بنتيجة الجلسة ومنعه من انتخاب رئيس كان ممكناً، هو رسالة يوجّهها الى هذه العواصم المؤثرة من أجل عدم تبديل مواقفها أو مقارباتها لا بل الإصرار عليها نتيجة تفاهمات أو اتفاقات ضمنية مع إيران ومع سوريا كذلك.