مار إسطفانوس الدويهي… “ما عساه يكون هذا الصبي؟”

حجم الخط

 

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1741

بطريرك الأزمنة مار إسطفانوس الدويهي

“ما عساه يكون هذا الصبي؟”

أزمنةُ القياماتِ المصيريّةِ، هل هوَ قضاءٌ وقدَرٌ أن يلتحقَ بكلِّ زمنٍ منها توما شكَّاكٌ كي يستبدلَ فيه أيمانَه الواهي بإصبعٍ فضوليٍّ يدسُّه في فُتحةِ الجُرحِ ويُمرِّرُه على آثار طعنةِ الحربةِ وطبعاتِ المسامير وبصماتِ الكَفَنِ وظلالِ القبرِ، قبل أن يصرخَ مذهولاً مُرتميًا مخطوفَ اللونِ واجف القلبِ: “ربّي وألهي”؟

هل دوائرُ ملفاتِ التطويبِ والتقديسِ داخل الدولةِ الفاتيكانيَّةِ قد نهجَت نهجًا توماويًا فاتيكانيًا اشغلت فيه عقول وعيون دارسِي الملفّاتِ واستنطقتِ الشهودَ وحرَّكت أصابعَ كتبةِ التقارير ومُدوِّني سجلاَّت العجائب وفهارسِها بحثًا وتدقيقًا وتنقيبًا عن أعجوبةٍ أو أعاجيبَ يجزمُ الطبُّ بالتحليل العلميِّ الصّارم بأنَ حصولها هو فوق أداركِ العقلِ الماديّ والعلمِ الذي بِمجمَلِه لا يعترفُ بالخوارق؟

أعجوبةٌ مؤَكَّدةٌ مُوثَّقةٌ منسوبةُ إلى شفاعةِ بطريركٍ دويهيٍّ إهدنيٍّ لبنانيٍّ مارونيٍّ أنطاكيٍّ قد أصطفاهُ الربُّ من دون غيرهِ للقيامِ والنهوضِ بأفعال أعجوبتينِ مِن أكثرِ مُعجزاتِ الكنيسةِ اللبنانيَّةِ المارونيَّةِ الأنطاكيَّةِ صلابةً وتماسُكًا وثباتًا ومنفعةً، تجتازان بمفاعيلهما مسافاتِ كنيسةِ المسيحِ مِن شرقِها إلى غربِها، تلكَ المبنيَّةُ حتى منتهى الزمان على ثالوثِ الميلادِ والصَّلبِ والقيامة.

أعجوبتا الدويهيُّ شابهتِ الأولى إقامةَ أليعازر من القبر، وأمَّا الثانيَّةُ فقد تماثلَت بآياتِ زمن الميلاد، هوَ هوَ العجائبيُّ المُجترِحُ ما كلَّفهُ به الروح القدس بالتَّحديد:

أ – أقامَ تاريخَ المسيحيَّةَ الشرقيَّةِ من قبورِ الجَّاهليَّةِ والتَّجهيلِ، وأطلقَه من الموتِ تعميَةً وتعتيمًا.

ب – أنجبَ رهبانيَّاتٍ مارونيَّةٍ بثالوثها اللبنانيّ والمريميّ والأنطونيّ. ورهبانيَّتُه اللبنانيَّةُ المارونيَّةُ قد أنجبَت بدورها ثلاثةَ قديسين وطوباوي، وسحبةَ ورديَّةِ أساكيمَ ملائكيةٍ مِن صدِّيقيها وأبرارها، تنتظرُ البيعةُ المُقدَّسةُ يومَ أفراحِ احتفالاتِ رَفعِ أيقوناتِهم فوقَ مذابِحِها!

 

ما عساهُ يكونُ هذا الصبّي؟

2 آب 1630 حَسَبَ التقويم الإهدنيّ، يوم تذكار الشمّاس إسطفانوس عميد الشهداء، ارتفعت زلاغيطُ “دايةِ” أهدن المُعتمَدةِ قانونيًا وأهدنيًا لتوليدِ الأمَّهاتِ الأهدنيّات. وقامت مِن قُربِ فِراشِ أمِّ المولودِ الجديد الحاجّة مريم الدويهي لتُبشِّرَ الوالدَ الشدياق ميخائيل ابن الخوري موسى الدويهي، بأنَّ الرزّاقَ الكريم قد رزقَه بمولودٍ صبيٍّ مُعافَى بشكرِ الوالدين للمُعطي القدوس على عطيَّتِه: “خلقه كامله نعمه زايده”.

وفي فهرسِ الأمثال الشعبيةِ المباركةِ عند أهل جبالنا مَثلٌ مِن أمثالِ التأكيد: “بيخلق الولد وبتخلق رزقتو معو”، فقد كانت رزقةُ مولود الشدياق ميخائيل والحاجّة مريم من ذاتِ رزقةِ مولود الكاهن زكريا والشيخة أليصابات، ليُقال في الدويهي الطِّفلِ المُعمَّد باسم شفيعه إسطفانوس كما قيل عن يوحنا المعمدان يومَ مولدِه: “ما عساهُ يكونُ هذا الصبّي”؟

هل كان في بالِ تلكَ الدّاية الهدنانيّةِ المباركةِ أنَّ تبشيرها بمولود 2 آب 1630 سينتشرُ كنسائم عريض شير مار سركيس ومَطلعِ “باب الهوا “وجبل سيدة الحصن، ليتجاوزَ لاحقًا عتبةَ البيتِ الوالدي وأجبابَ الطائفةِ الدويهيَّةِ ومُطِلَّ إهدن، لتَتَردَّد أصداء تلك البشارة في روما وسائر أوروبا، ثم حلب وقبرص وأنطاكيا وسائر كنيسة الشرق والغرب؟

مَن غيرُ صاحبِ ومالكِ وزناتِ الأسماءِ الموزونةِ بمواعيد العطايا السماويةِ المُعطاةِ لأبناء الرجاء الصالح كان عليمًا بأنَّ اسم المُسمَّى على إسم إسطفانوس أول الشهداء، سيكون طليعَ الأسماء البطرسيّة الأنطاكيّة الحائزة على الرتبةِ الثانية بعد يوحنا مارون في قيادة مملكةِ مارونْيَا؟!

 

“ما عساه يكونُ هذا الصبيّ”؟

البطريرك جرجس بطرس عميرة الإهدنيّ سفير المير فخر الدين المعني، هوَ الذي عرفَ مَن سيكونُ غدًا الفتى اليتيمُ إسطفانوس الفاقدُ والدَه بعمر الثلاث سنواتٍ يوم صعود ربِّ الدار الشدياق ميخائيل، ساعة انفتحت أمام ناظريه أبواب أورشليم العُليا. فأحاطت الأبوَّةُ الجرجسيَّةُ العميريَّةُ بابنِها الروحيِّ الإسطفانيِّ المُجَمَّلِ بفضائل التقوى والذكاء المُتوثِّب المدعومينِ بطموحٍ لا حدود له ولا سدود.

انتخب عميرة فتاه ليكون نخبة تلامذة إهدن المختارين لتحصيل علومهم في جامعات روما مدينة ملافنة العلوم واللاهوت واللغات وكرسيّ نائب المسيح على الأرض. فسافر إليها التلميذ إسطفانوس عام 1641 وله من العمر 14 ربيعًا، وله في مدارسها وجامعاتها عقلٌ خلاَّقٌ تلقَّفَ كنبعٍ فكريٍّ علمَ المنطق والفصاحةِ والرياضيّاتِ والفلسفةِ واللاهوت، وأتقن أصولَ العربيّةِ والسريانيَّةِ والإيطالية واللاتينيةِ واليونانيَّةِ، دامجًا مجموعةَ ما حصَّلَ بتفوُّقِه قبل أي شيء في غزارةِ علم انتمائه الجَذريّ الجُزوريِّ إلى لبنانيَّتِه أولاً ومارونيَّته ثانيًا، وإلى معقَلِه الإهدنيّ والقنّوبينيّ دائمًا أبدًا!

 

نذْرُ العودةِ المؤبَّدة

قيل ويقال: “عالمٌ كمارونيّ”، لكنَّ جامعات أوروبا في ذلك الزمان شَهِدَت وقالت: “عالمٌ كالتلميذ إسطفانوس الدويهي”. فطالبه رؤساؤها بأن يكونَ مُعلِّمًا في جامعاتهم وملفانًا. لكنَّ النابغة الإهدني لم يلتحقَ بالنوابغِ السَّماعنةِ الحصارنةِ ويؤسس مملكتَه العلمية في بلدان الأوروب، فنَذرَ نذْرَ العودةِ المؤبَّدةِ إلى إهدنِه ولبنانِه وشرقِه، مُصمِّمًا ألّا يقع في معصيةِ اشتهاء الكراسي المُذهَّبة والمراتبِ العُليا والأوسمةِ الباهرة، فعاد إلى ديار الآباء والأجداد يوم 3 نيسان 1655 !

وتحت كبرى أشجار الجوزِ في أرض إهدن، افتَتَح الشمّاس إسطفانوس لأبناء أهدنِه جامعة تلاميذ تحت السنديانةِ يُعطي تلامذتَه ما أعطاه إيّاه الرّب مُستلهِمًا مُستشفعًا آيةَ آياتِ العطايا المُثلَى: “مجّانًا أخذتم مجَّانًا أعطوا”. وشمَّاسُ المجّانيَّةِ والزهديةِ الذي تخطَّى بكرامةٍ روحيَّةٍ عقدةَ بَهرجةِ سيامتِه كاهنًا على مذبح كنيسة بطرس الرومانية، أو مذابح كاتدرائيات أوروبا الملوكيّة، تقدَّم يوم عيد بشارة العذراء 25 أذار إلى مذبح دير مار سركيس رأس النبع عند أعالي إهدن ليُمسَحَ بميرون رتبة ملكيصادق وليُعلِنَ بطريركُ السّيامة الكهنوتية يوحنا الصفراوي: “أيها الشمّاس اسطفانوس الدويهي أنتَ كاهنٌ إلى الأبد”!

ومن السيامة الكهنوتية والخدمة الراعوية بين إهدن وحلب وأردة إلى يوم إعلانِه 8 تموز 1668 أسقفًا على أبرشية قبرص المارونية، إلى انتخابه بطريركًا على أنطاكيا وسائر المشرق 20 نوار 1670، إلى يوم تأسيسه ركائز ودعائم ثوابتِ الرهبانيّاتِ المارونية 10 تشرين الثاني 1695 بأقنومَيها اللبنانيّ والمريميّ، ليليهما الأنطونيُّ ثالث الأقانيم، قَد كُتِبَ عن حياتِه وآياتِه وأعماله وأفعالِه وإنجازاتِه ما قرأه وتمعَّن به الكثيرون، وقيلَ عن مؤلَّفاتِه التاريخية والكنسيةِ والليتورجية والألحانية والمواعظيةِ ما استمع إليه جمهور ندوات مُحاضراتِ المُحاضرين عين السيرة الإسطفانوسيّةِ الدويهيّةِ، فلا حاجةَ للنسخ والنقلِ والدَّمج والإعادة والتكرار!

 

مُرتقى تواريخ الأزمنة

إنَّ تطويبَ وتقديس مار إسطفانوس الدويهي الإهدنيّ اللبنانيّ المارونيِّ الأنطاكيّ هو أعلانٌ مُحقٌّ لطوباوية وقداسةِ كيانٍ قاديشيٍّ وكونٍ قنّوبينيٍّ قد فعلا للرب والكنيسة الجامعة ما فعله الكرسيُّ الرسوليُّ البطرسيُّ في روما إن لم نقل أكثر!

إنَّ تطويبَ وتقديسَ مار إسطفانوس الدويهي هو تطويبٌ لبطريركٍ عبرَ مِن تاريخ أنتقالِه إلى أنطاكيا السماوية الثاني من نوّار 1704 فارتقى عمرُه مُرتقى تواريخ الأزمنة، وارتدى عُمرَ التاريخ وأعوام الزمان!

إنَّ تطويبَ وتقديسَ إسطفانوس الدويهي هو إعلان تطويب وتقديس شعبٍ تلقَّنَ إيمان يوحنا مارون حتى آخر نقطة دَمٍ ونسمةِ روحٍ فآمن بأنَّ مصائبَه هي غبطةُ المُغتبِطين الفرِحين بتعيينهم حرّاسًا أبديين على جبال الصلبانِ وأودية القيامة. كما آمَنَ وأيقنَ وصدَّقَ بأنَّ مصاعبَه هي فخرُ وعهدُ التزامه بتطييب جراح يسوع ملك الدهور والعهود!

إنَّ قداسة بابا الكنيسة المسكونية قد أعلن ذات احتفال تطويب وتقديس لويس وزيلي مارتان لأنهما أنجبا وربَّيا تريزا الطفل يسوع. فمَن مِن أهل السماء ولبنان والكنيسة المسكونية يتصوّر أفراح ومسرّات واحتفالات شربل مخلوف البقاعكفري ورفقا الرّيس الحملاوية ونعمة الله كسّاب الحردينيّ وأسطفان نعمة اللحفدي يوم إعلان طوباويةِ وقداسة أبيهم ورُكنِ أركان رهبانيَّتهم وأبي تاريخِ وجودهم المسيحيِّ واللبناني الحَبرُ المنارةُ مار إسطفانوس الدويهيِّ الأهدنيّ؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل