
بعد ثلاثة أيام على اختبار 14 حزيران، بدأ غبار الخدعة البصرية التي اخترعتها “الممانعة” ينجلي عن وقائع وحقائق وأرقام رسمت خطاً بيانياً جديداً للاستحقاق الرئاسي.
أُولى هذه الحقائق أن الرهان على انفراط عقد “التقاطع الظرفي” بين قوى المعارضة بأحزابها ونوابها مع كتلتَي “اللقاء الديمقراطي” و”لبنان القوي”، لم يكن صحيحاً. فهذه الأطراف متّنت أواصر تلاقيها على مرشحها، وبدأت البحث في تطوير “التقاطع” إلى تقاوي وتعاضد، وربما إلى تحالف حول الأهداف والبرامج.
ثانية هذه الحقائق أن الإرادة الداخلية الحرة لهذه القوى فرضت نفسها على سياق المشاورات الخارجية من باريس والرياض إلى طهران وواشنطن، بحيث لم يعُد ممكناً تمرير تسوية سياسية ورئاسية بدون الأخذ بهذه الإرادة التي كانت نتائج جلسة 14 حزيران خير تجسيد لها.
لقد بات هناك مرجعية لبنانية للاستحقاق الرئاسي يستحيل تجاوزها أو تفكيك عراها، ولا تفكر الدول المعنية بهذا الاستحقاق (تحديداً اللقاء العربي الدولي الخماسي) بمخالفتها أو إهمال موقفها وموقعها.
ثالثة هذه الحقائق أن “فريق الممانعة” بلغ تخمته في الرقم الذي حققه (51 صوتاً)، وبدلاً من أن يعلن “انتصاره” بإضافة 7 إلى الـ44 التي كانت افتراضية له، كان عليه أن يحتسب الـ14 صوتاً التي خسرها بعدما تحدث مراراً على لسان الناطق باسمه الرئيس بري وسواه عن بلوغه عتبة الـ65.
ولم يكن بالون الانتخابات النيابية المبكرة سوى تعبير عن إدراك هذا الفريق مأزق السقف العددي الذي ينوء تحته، لعلّه يهوّل على حليفه السابق “التيار العوني” بتشليحه بضعة نواب – ودائع كان منحهم له في انتخابات 2022.
أمّا الحقيقة الرابعة فهي أن التلويح بأسلحة العدد الديمغرافي، و”المؤتمر التأسيسي”، والمثالثة، و”الجمهورية الإسلامية في لبنان”، و”توحيد الساحات والميادين”، وأولوية “الممانعة والمقاومة”، يصطدم بمحاذير إسقاط العيش المشترك، والفصل بدل الوصل، والانقسام بدل الوحدة.
فلا يمكن فرض صيغة حياة بالمكاسرة والقوة، لأن الحرية أثمن القيم والعطاءات في حياة الشعوب وتقرير مصيرها.
لكل هذه الحقائق، لا بد من تبريد الرؤوس الحامية عند “الممانعين”، فيقرأون الواقعات لا الأُمنيات، لأن ما بعد 14 حزيران ليس كما قبله، حتماً.