
وادي قازوحايو، الوادي الرهبانيّ المتوشّح بمعاني ورموز كنز الحياة والمصقول بأشيار باسقة رتّبها الخالق الخلاّق ورفعها إلى رتبة شمّاسيّة صخريّة تزنّر بزنّار خدّام أسرار النعيم نهراً قزحيّاوياً تنساب مياهه بأوزان وأنغام أشعار أفراميّة وتقاسيم سروجيّة في تلاق تسابيحيّ مزاميريّ لحناجر ينبوعيّة تفيض وتتماوج بشاعريّة المزمور المائة والأربعة عشر: “الربّ المحوّل الصخرة إلى غدران مياه والصوّان إلى ينابيع مياه “!
هذا الدير الموقوف ببنائه الأول ومدعويه الأوّلين لأبناء أنطونيوس أبي الرهبان وألمع كواكب براريهم، كان كلمّا قرع جرس النهوض للتبشير الملائكي ترتفع أمانيه إلى روح المشورة الصّالحة كي يبشّره بوسيلة مطبعية تستوحي الكلمة الذي صار جسداً لتحصل على كلمة تصير تسيل حبراً مطبعياً يصير حروفاً وكلمات وجملاً تولد منها كتبٌ لمزامير “تشيد بعظائم الربّ وتخبر عن آياته”!
بحلول العام 1450 ميلادية، أشعل النّابغة الألماني يوهان غونتمبرغ ثورة أبجديّة عامّة نقلت النصوص الكتابيّة من بدائيّة نسخها نسخاً يدوياً بريشة مغمّسة بالمحبرة إلى جديد طباعتها بأحرف معدنيّة مسبوكة سبك تماثيل كتابيّة تنطق فلسفة وأدباً وشعراً ولاهوتاً وروايات، فأيقظت عبقرية الاختراع الغوتنبرغيّ فلاسفة العالم وأدباءه وكتّابه ولاهوتييه وحثّتهم على تفعيل وتزخيم عصور النهضة الثقافية في مضاعفة لإنتاجاتهم العقلية الفكرية العلميّة وتحريرها من محدوديّتها ومحليّتها وإطلاقها إلى العالميّة.
وصلت أصداء ثورة يوهان غوتنمبرغ الشرق الأوسط العربيّ فلم يحرّك فيه ساكناً، وقد توجّس عقله الدينيّ التديّني من اختراع كتابيّ غربيّ متطوّر يخترق أسوار وأغوار مجلّدات دينيّة فقهيّة منسوخة بأيدي شيوخ الكتّاب، فتعاملوا بحذر شديد مع منهج طباعيّ غير متآلف ومتوافق مع طبائع اللغة العربيّة لغة الكتب المنزلة لأهل البيت!
الروح القدوسيّ ذاته الآتي بريح شديدة والحالّ بشكل يمامة، كيف حلّ في لبنان على دير ناءٍ عن المدن والقرى والمساكن المأهولة، ديرٌ يتصومع وينسك في أعماق وادٍ لا تطلّ عليها إلاّ الشمس في النهار والنجوم والقمر في الليل ولا تزورها إلا أسراب الطيور المغرّدة بلغات لا يفقهها حكماء العالم. هل كان دير مار أنطونيوس قزحيّا هو المختار من روح الحكمة والمعرفة ليكون عليّة عنصرة طباعيّة لأول مطبعة تدخل الشرق العربي!
ثروة دير مار أنطونيوس قزحيا الكتبية والكتابيّة مجلّداتٌ آراميّة تحتضن صلوات رهبانيّة لا تحكي إلاّ بما يحكيه الربّ لأبناء الخلاص، ولا تنطق إلاّ بلغة الملائكة، ولا تعترف بآداب لا تخرّج قديسين ومعترفين وأبراراً وصدّيقين تخرّجوا من وقوفهم وتحلّقهم حول قرّايات “الشحيم” و “الفنقيطو” و”والحاشو” و”المتعيّد” و “السنكسار” تلك النفائس المنسوخة بأنفاس وأقداس أيادي نسّاخ زهّاد نذروا عيونهم وأصابعهم ومئات لياليهم ينسخون في هدأتها وسكونها صفحات فروض صلواتهم الآرامية بأقلام غزّار القصب المبلول بحبر طعمه طعم البخور وعطره عطر الميرون!
أتّفق مؤرّخو عصور النهضة الشرقية وتوافقوا على أنّ مطبعة دير مار أنطونيوس قزحيا هي الأولى في جميع بلدان وعواصم الشرق العربي، لكنهم بالوقت نفسه اختلفوا على تحديد سنة وصولها.
ذكر المطران أسطفان عواد السمعانيّ أن كتب المزامير طبعت في دير قزحيا بالسريانية والكرشونية في العام 1585، ليهتم بترجمتها إلى العربية المطران جرجس أسقف نيقوسيّا الماروني، ثم طبعت بهمة البطريرك سركيس الرزي، لكنّ الكاتب “شنورر” نفى هذا التاريخ زاعماً أن المطران السمعاني قد مزج بين البطريرك سركيس الرزي ومطران الشام سركيس الرزي، وقد أيده فيما بعد الأب لويس شيخو اليسوعي. أما الكتب المطبوعة في مطبعة دير قزحيا والتي يؤكّد تأريخها العام 1610 فهي التالية:
ـ مزامير داود إلى ١٥٠
ـ مزمور ١٥١ المنحول
ـ تسبحة موسى (سفر الخروج)
ـ تسبحة إشعيا النبي
ـ تسبحة الفتيان الثلاثة
ـ تسبحة مريم والدة الله.
في العام 1776، أرسلت الرهبانية اللبنانية المارونية الأب ساروفيم شوشان إلى روما وخلال وجوده هناك عمل على امتلاك مطبعة فأحضرها معه في العام 1783 وجعل مركزها في دير مار موسى الحبشي في المتن الشمالي، ليتم نقلها لاحقاً كمطبعة ثانيّة إلى دير مار أنطونيوس قزحيا في العام 1803 زمن رئاسة الأب أغناطيوس بليبل، وبعد تعديلات وتحسينات وإضافات ظلت هذه المطبعة تعمل عملها حتى العام 1931 بحسب التقويم المطبعي الرهبانيّ القزحيّاوي!!
وادي “قازوحايو” الآراميّة هي بذاتها وزيتها الكتابيّ المطبعيّ، دير “ملتو “، في واد تجمع في معنييها بين الحياة والكلمة! ووادي دير “ملتو” هي نسخة تامّة جليّة عن مقدمة بشارة إنجيل يوحنا الحبيب، “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.
هو في البدء كان عند الله. به كان كلّ شيء، وبغيره ما كان شيء مما كان. فيه كانت الحياة، وحياته كانت نور الناس. والنور يشرق في الظلمة، والظلمة لا تقوى عليه”!!!
