.jpg)
لسنا نُنكرُ، أبداً، أنّ لبنانَ فُسَيفِسائيُّ الدّيموغرافيا، تتساكنُ فيهِ شرائحُ بانوراميّةُ التوجّه، بعضُها لمّا يزل محكوماً بنظامِ المِلَل، من هنا، فالتّعايشُ بينها متوغِّلٌ في تراكماتِ التعصّب، والفوقيّةِ العدديّة، والاستقواء، وقد صبَّت العواملُ السياسيّةُ والأمنيّةُ المتعاقبةُ زيتَ العدائيّةِ على تعاطي هذه الشّرائحِ في ما بينها، حتى تراجعَ مؤشِّرُ الاندماجِ، وتفاقمَتِ التناقضات، وتعدّدت مصادرُ التوتّر.
ولسنا نُنكرُ، أبداً، أنّ الرجعيّةَ الأُصوليّةَ تسرّبَت الى عمقِ المجتمعِ اللبنانيّ، وكانت عاملَ عدمِ استقرار، وأمسكَت بخناقِ التقدّمِ بالانفتاح، ما أعادَ عقاربَ الزمنِ الى عصورِ الظّلام. وقد عملَ صُنّاعُ السياسةِ، عندَنا، على تَمويهِ هذه الحالِ المفروضة، لكنّهم لم يستطيعوا إقناعَ النّاسِ بأنّ تداعياتِها غيرُ موجودة، فأبرزُ تداعياتِها انهيارُ منظومةِ الدولة، وانتهاكُ الحريّات، ووضعُ اليَدِ على قرارِ الوطن. وقد لمسَ الناسُ، وبشكلٍ يوميّ، انتفاءَ المشاركة، وزَيَفَ إعلانِ الوقوفِ الى جانبِ الديمقراطيةِ التي سَتَرَت ديكتاتوريةً ذات استراتيجيةٍ سافرة، قوامُها انتدابُ البلاد، طَوعاً أو قَسراً.
لسنا نُنكرُ، أبداً، أنّ بعضَ الشّرائحِ في نسيجِ الوطن، لم تَغِبْ عن وجدانِهِ حالُ الانتماءِ والولاء، ولم يعتبرْها حالةً مقيمةً لِأَجَل، فدافعَ عنها بِما أُوتِيَ من عنفوانٍ ودَم، كما أنّ هذا البعضَ داومَ على احترامِ التنوّعِ الحضاريّ بين فئاتِ المجتمع، واعتبرَه دليلَ عافيةٍ للرقيّ، لكنّ تَعامُلَ الآخرينَ مع هذه القناعةِ، سَلباً، أدّى الى انحسارِ التّكافلِ والتّكافؤِ في الحياةِ السياسيّةِ والاجتماعيّةِ، ما مَتَّنَ نوعاً من العنصريّةِ، والتّمييزِ المُنَظَّمِ بين دَرَجاتِ ” الرَّعايا “.
لسنا نُنكِرُ، أبداً، أنّ الجدلَ الذي دارَ، ولمّا يزلْ، حولَ قضيّةِ السيادةِ، قد نَمّى مشاعرَ الشكِّ والتشنّجِ بين مجموعةٍ ترفضُ الإِجبارَ، والانصياعَ، والفَرضَ، وسَفكَ كرامةِ الناسِ والوطن، وبينَ الذين استباحوا البلادَ بعشائريّةٍ جائرة، مرفوضة، وهدّدوا بفتنةٍ توقِعُ ضحايا، وبِهَدرِ دمِ مَنْ يخالفونَهم استراتيجيّةَ انتدابِ البلاد، باستعمارٍ هجين. والحقيقةُ أَنْ لا تَقاطُعَ بين أسلوبَي التّعاطي مع مفهومِ الوطنيّة، ونهائيّةِ الكيان، وقُدسِ الهويّة، ما يدفعُ الى إشكاليّةٍ إستراتيجيةٍ جديّةٍ لا أُفُقَ لحلِّها، بينَ لبنانَ النّموذجِ الفريدِ الرياديِّ ابنِ الحريّةِ، وبين هَدمِ بُنيانِهِ بمشروعٍ عدائيٍّ مُدمِّر. وهذا يعني، تماماً، التَّفاوتَ بل التّناقُضَ في مقاربةِ مِلَفِّ مسألةِ السيادةِ سُمُوِّ كرامةِ الوطن، وعنصرِ صمودِهِ وبقائِه.
لسنا نُنكرُ، أبداً، أنّ المعاييرَ التي تصوغُ القواعدَ لتحديدِ القِيَمِ، وفي طليعتِها القِيَم الوطنيّة، تختلفُ في مجموعِ شروطِها الواجبةِ بين مَنْ يتعاطَونَ الشّأنَ الوطنيَّ، أو يدَّعون ذلك، ما يطرحُ السؤالَ الإلزاميَّ: هل تتطابقُ مواصفاتُ هؤلاءِ المُدَّعينَ مع المعاييرِ المُدرَجَةِ في القاموسِ السياسيِّ الدَّولي؟ أو، بكلامٍ آخر، هل هناكَ مِن تَجانُسٍ بين سلوكِ سياسيّينا وبين أبسَطِ قواعدِ الممارسةِ السياسيةِ المعروفةِ في دُوَلِ الناس؟
إنّ مفاعيلَ ما تَقَدَّم، تنسحبُ على حاضِرِ البلادِ بشكلٍ يدفعُ، تلقائيّاً، الى تَصَوّرِ بدايةِ إطباقٍ كاملٍ على الوطن، أو انفجارٍ فجائيٍّ بينَ مَنْ يرفضونَ الخضوعَ لِأُوتوقراطيةٍ استبداديّةٍ هجينةٍ تسعى الى القضاءِ على لبنان، وبينَ حامِلي هذا المشروع المُستَورَد، وهو أكثرُ المؤامراتِ خطورةً على المصير. وبتوصيفٍ آخر، أين التّلاقي بينَ مَنْ فكّوا ارتباطَهم بالبلد، والخطُّ البيانيُّ لسلوكِهم ومواقفِهم يُظهِرُ نهجَهم الذي يؤكِّدُ على ارتباطِهم بالخارج، وبينَ الذين لا يعترفون إلّا بالوطنِ مرجعيّةً وحيدةً، ومساحةَ حريّةٍ لا تُحبَطُ فيها أحلامُ الأجيال؟
يمكنُ للزمانِ أن يُنهِكَ الناسَ، فالوقتُ عدوُّهم، والعمرُ يتربّصُ بهم، وعقاربُهُ تَخِزُهم ليُصابوا بالوَهنِ، والخوفِ، والانقباضِ، والخيبة، وهم يحاولونَ تلطيفَ انعكاساتِ الزّمانِ السّالبةِ بالنسيان، ويتكيّفونَ قَسراً مع تداعياتِهِ ولَو بَشِعة، ولا استغرابَ في هذا السّلوكِ، فالزمانُ ليس بِدعةً بِقَدرِ ما هو حالةٌ تلعبُ على أوتارِ المشاعرِ المشدودة، بأصابعَ مُشَنِّجة. أمّا الوطنُ، أي الكيانُ الوجوديُّ وجَذريّةُ الحياةِ في الزمانِ والمكان، فيترجمُهُ الناسُ بتكامُلٍ عُضويٍّ بينَ الإنسانِ والأرض، أو بترابطٍ جوهريٍّ مُتفاعلٍ، أبداً، بينهما. لكنّ عقاربَه المعروفةَ الأهداف، تُحوِّلُ صورتَهُ الوجوديّةَ من إيمانيّةٍ بامتياز، الى حالةٍ صناعيّةٍ لا مبادئَ لها، ولا قِيَماً، ولا شَراكةَ بينَ أطيافِ شَعبِهِ المختلقةِ مقاصدُه. إنّ عقاربَ الوطنِ هم ذلك الفريقُ اللّاكيانيّ الذي يسعى، بمرافعاتٍ مُوَتِّرة، واجتهاداتٍ مردودة، وبِزَيَفٍ طاغٍ، الى قتلِ مفهومِ الوطنِ ببِدعةِ اعتبارِهِ وطنَ المُصادفة، وبسلوكِ تفتيقِ الصّلةِ بين هويّتِهِ والمؤمنين بها.
لكنّ المؤونةَ الكيانيّةَ، وبالرَّغمِ من أنّها باتَت شحيحةً عندَ ضِعافِ النّفوسِ، والعنفوان، تبقى الحالةَ التي تَتمَحورُ حولَها القضيةُ، فَلُبُّ الصّراعِ يُصيبُ الكيانَ، من هنا، فإنّ المطلوبَ هو صيانةُ الإيمانِ بلبنانَ، بترسيخِ ثقافةٍ كيانيّةٍ تُلحِقُ صفةَ القداسةِ بالكيان، ليَعلَمَ عقاربُ الوطنِ بأنّ المَساسَ بهِ خطيئةٌ أصليّةٌ يمكنُ أن تُمَّحى بالتّوبة، أو بمعموديّةِ النّارِ والدَّم.