Site icon Lebanese Forces Official Website

غابي رحمة شو حلوة القضيّة بريشتك!

كتب فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1741

من “المسيرة” العسكرية الى يوم الشهيد

غابي رحمة شو حلوة القضيّة بريشتك!

كيف تكتب عن شخص، جلس في لياليه يناجي الطوباوي إسطفان نعمة، يرجوه أن يُظهر له عينيه “دخيل إجريك فرجيني عيونك بدي إرسمك صح، بعتولي صورة إلك عيونك مش واضحين يا بونا إسطفان”، وغفا وهو يصلي، وإذ يطل عليه نعمة في الحلم “هودي عيوني شوفن يا غابي منيح وارسمن”! وهكذا لثلاث مرات في ليلة واحدة غابي يسأل والطوباوي يستجيب وبعد أيام يسأل غابي الطوباوي “دخيلك يا بونا راضي عن الصورة؟” فيجيب “راضي، وطلوب شو بدك مني يا غابي؟” فيطلب مساعدته بمعمل النجارة الذي افتتحه حديثاً ومساعدة صديق آخر له وهذا ما حصل…

هذا تواصل استثنائي بين أحد من أهل الأرض وقديس من أهل السماء، وهذا بعض قليل عن حكايات غابي رحمة. رفيق لم أعرفه شخصيًا بل تعرّفت إليه في رسوماته المبدعة. رفيق لم أحاوره ولا مرّة، لكني قرأته وحاورته في ريشته المقاومة، في وجوه رفاقه ووفاء أصدقائه، في حكاية الأنامل التي ما طرّزت إلا النضال المغمّس بالرب عبر الريشة، في الإيمان إلى درجة مناجاة القديسين هيك مباشرة، في دفق العطاء عبر التزامه اللامتناهي بالمقاومة وناسها.

وأنا أسأل عن غابي استغربت كيف لم يتسنَ لي لقاءه؟ معقول أن تجول رسوماته من الشعبة الخامسة وصولاً إلى مؤسسات “القوات” وفي المناسبات كافة وأنا لم أتعرّف إليه؟!… وزعلت! زعلت كثيرًا لما قرأت قصة حياته التي ترويها الرسوم حيناً، وشغف “القوات” دائمًا، وروايات رفاق وأصدقاء له. كان ليكون إضافة كبيرة لو تسنّى لي لقاءه.

نكتب عن غابي رحمة وفي يدي كتاب “الجبل حقيقة لا ترحم” للرفيق المناضل بول عنداري، والغلاف بريشة غابي، هذه واحدة من أرشيفه الغني، منذ النشرة العسكرية ومجلّة المسيرة العسكرية، وصولاً الى الأمس القريب جدًا.

لا ينسى الرفاق يوم المقاومة الشهير، حيث طغت رسوماته على الساحة، لا ينسون الغلافات الرائعة وبطاقات المعايدة، لوحات لرجال سياسة ومال ورجال الدين أيضًا، يرسم بحسّه المقاوم وشغفه بالقضية ويقدم من دون مقابل ولا يسأل، يرسم كل ما له علاقة بإعلام “القوات” وأيضا بالإعلان ولا يهتم لبدَل مادي أو ما شابه، المهم عنده أن تعبّر رسوماته عن عنفوان المقاومين. العام 1990 ابتكر فكرة روزنامة ورسم لكل شهر لوحة لكنها للأسف لم تُنشر بسبب الأحداث التي اندلعت يومذاك.

ريشة غابي لم تجفّْ ولم تُحاصَر بالمناسبات، فقد رسم غالبية صور القديسين المعتمدة رسميا حتى اليوم في كنائسنا، من صورة الطوباوي إسطفان نعمة، الى ترميم صورة سيدة بشوات وغيرها وغيرها. واعتمد في عمله على قلبه، قلبه فقط النابض بالإيمان المطلق بيسوع وأمه، وبتلك القضية التي جعلت حياته القصيرة هنا، حقل ألوان وريشة تتغمَّس بالشغف المطلق لترسم المقاومة وأبطالها بأجمل ما يكون. “كان عندو روحانية القديسة تيريزيا. كان يحب بشكل مجاني ويعطي من دون مقابل” يقول عنه صديق عمره ميلاد بلعة.

“عرفته بداية من خلال رسوماته وقررت أن أتعرّف إليه من خلال صديقنا المشترك ميلاد بلعة وكان المرض في بدايته، إذ بدأت معاناته منذ العام 2016. قصدته لأتعرّف إلى تلك الريشة الخلّاقة وأنا أحتفظ برسوماته وروزنامات القوات وبطاقات المعايدة وسواها منذ العام 1985، ولما كنا نسأل ستريدا على أيام يسوع الملك عمّن رسمها تقول إنها من إبداع رفيق مناضل اسمه غابي رحمة”. لذلك لما رأيته أخبرته عن مدى إعجابي برسوماته فقال لي “هيدا مش أنا اللي عم ارسم هيدي إيد الرب بترسم معي، ما فيي غطّ بالمحبرة وشيل الريشة وارسم إلا ما إتذكّر كل شهيد”، تصوروا هالجواب لـ خلّاني دمّع وقلبي يكبر بهالمناضل المتواضع، رأيت فيه شبهًا بالبطريرك مار نصرالله بطرس صفير، كان مدرسة بالتواضع والتجرّد والتأمل، فيه عاصفة هادئة بمظهرها متفجرّة برسوماتها وإبداعها.

لمَّا ذهبت لأتعرف إليه كان ببالي أنه رمز أو لنقل حتى أيقونة، ولما تعرّفت إليه وجدت صورة أجمل بكثير بعد، وجدت مناضلاً صامتاً مؤثراً، أعطى القضية الكثير من دون طنطنة وتفاخر، ولم يأخذ حقّه إعلاميا، يجب نشر تراثه لتتعرف إليه الأجيال. يجب نشر كل أعماله من خلال معرض أو ما شابه، لأنها إرث ملك المقاومة، كنت سأشعر بنقص كبير لو رحل قبل أن ألقاه، لأن معرفته غنى كبير لي”، يقول المحامي المناضل غابي جعجع.

59 عامًا، أمضى رحمة أكثر من نصفها يعمل لأجل القضية، 35 عامًا مناضلاً في “القوات”، منذ الشعبة الخامسة ثم جهاز الأندية وصولاً الى اليوم، اندفاع لامتناهٍ لأجل المقاومة.

مسيرة حياة قصيرة بلَّلها غابي رحمة بالريشة والألوان لتكون لوحاته بعضًا من قلبه، الكثير الكثير منه، لتكون صورة المقاومين دائمًا بأبهى ما كان يحب أن تكون عليه. قلبه الآخر منحه لشريكة حياته أنطوانيت عون، تلك السيدة المقاومة التي منها استمد القوة ليواجه مرضه، والتي منحته شابًا وصبيتين هم كل حياتهما. “ميلاد، إذا بسبب العلاج تساقط شعر غابي أنا كمان بدي أحلق شعري بتعمل متلي؟” سألت ميلاد بلعة صديق عمره، «أنطوانيت زوجة قوية مليان قلبا حب وتضحية وعملت المستحيل تـ يكون غابي مرتاح، وهي بعد ربنا كانت السبب بصمود غابي وتحمّله للمرض» يقول ميلاد عن أنطوانيت.

زوجة المقاوم مقاومة، هذه هي المعادلة في حياة هؤلاء، هذه هي المعادلة التي لا يفهمها إلا من عاش بقطرات دمه وعرقه ويومياته، حياة المقاومين، فينقل العدوى الى كل من يحيط به، فكيف بمناضل فنان لاهوتي!…لاهوتي؟ هكذا يصفه رفاقه، “مناضل حقيقي، مؤمن إلى أبعد الحدود، حياة قلبه كان القربان المقدس، حياة قلبه القوات اللبنانية، المناضلون، الحكيم، إرث القوات، خدمة رفاقه، خدمة مجانية من دون مقابل ما بدي شي أبدًا بس قولولي مرسي من قلبكن وأنا بكتفي”، كان يقول لهم.

“كان يملك مع إخوته معمل نجارة، يعمل ويكد ولا يأخذ من رفاقه إلا سعر الكلفة ويضل يقول الله بيرزق، ورزقه ربنا بآلاف الأصدقاء والرفاق والمعجبين بعمله وريشته، لكن شاء الله أن تكون مسيرته على الأرض قصيرة”، يقول بتأثر بالغ صديق عمره ميلاد الذي واكبه في كل مراحل حياته منذ البدايات حتى لحظة رحيله.

منذ نحو ستة أعوام أصابه المرض، ولمّا عرف أنه مريض ابتسم! حمل صليبه بصبر وإيمان ومن دون تذمّر أو معاتبة الرب “هيدا الوجع جايي من عند ربنا ما فيك تعبس بوجو، هيدا الوجع متل النار يللي بيحرق الدهب تـ يلمع أكتر”، قال لصديقه ميلاد، وذات ليلة ألم صعبة حمل ما تبقى من همّته وطلب من ميلاد أن يكتب عنه تلك المناجاة لمرضه:

“إنت يا هالوجع لـ كنت مرافقني من ست سنين لهلأ، إنت يا هالصديق الوفي يللي ضل معي وما خان فيي. يللي ولا مرة تركني وما فارقني، بأكلي وشربي كنت معي، بشغلي وأنا عم طلّع مصاري كنت معي، أنا هلأ جيت تـ أعمل العملية ما رح إتخلّى عنك ولا خونك لأن إنت ولا مرة خنتني وتخلّيت عني، جيت أعمل العملية بحكم الطاعة لأهل بيتي وعيلتي أكتر من إنو تكون القصة تخلّي عنك، ما رح إتخلّى عنك، وحتى لو تخلّيت عنك إنت ما بتتخلّى عني. ما بدي ياك تزعل مني وتبرم ضهرك وتفلّ وما تعود ترجع، صدقني إلك فقدة، رجاع لعندي ساعة لـ بدك رح إتركلك الباب مفتوح، مغلوق نص غلقة، فوت من دون ما تدق ع الباب، ما تحمل تِقلة، ما حدن غريب ما تستحي، بالنتيجة أنا ما فيي إتخلّى عنك لأني بعوزك حتى تنقّيلي قلبي، بدي ياك تكون عكازي حتى توصلني عند يسوع”!!

من يفعلها؟ من يناجي مرضًا قاسيًا لا يرحم، قاتل متوحش؟! من يجعل من مرضه معبرًا ليكون طريقه الى الرب؟! أي قلب كبير هذا يسكن قلب رجل؟! “غابي إنسان إستثنائي، 35 سنة ترافقنا سوا ع الحلوة والمرة، ما تعرّفت على شخص متلو ولن يكون، ما عرفت إيماناً مماثلاً وتفانياً بحب الأصدقاء والقضية كما فعل غابي. خسارته كبيرة للجميع، إرث غابي يجب أن يُنشر، يجب أن تتعرّف إليه الأجيال المقاومة، غابي إرث من القضية الحيّة فينا وفي قلبه الكبير. أعمال غابي غنى للمقاومة ويجب الحفاظ على هذه الثروة وتعميمها” يقول ميلاد.

هذه هي القوات اللبنانية، هؤلاء هم المقاومون في تلك القضية الكبيرة الموجعة، التي تزرع في قلوبهم حبًا لا يوصف، تضحيات من دون مقابل، رجالات مثل غابي رحمة، يرسمون بالريشة حيناً بالدم غالبًا حكايات الصمود، حكايات حب لا يمحوها الزمن. غابي رحمة يا أبو الريشة المقاومة، لن يكون لك إلا الخلود في قلوب الأجيال، ولعلك سألت بونا إسطفان شخصيا «شو يا بونا حلوة صورتك بريشتي؟”….

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​​​​​​​

Exit mobile version