#adsense

“السليق” والحميضة والخبيزة ملوك مائدة الأزمة

حجم الخط

كتبت غرازييلا فخري في “المسيرة” – العدد 1741

“السليق” والحميضة والخبيزة ملوك مائدة الأزمة

وداعًا للفاست فود والنيء

في الصباح الباكر ومع بداية الربيع، تخرج مارسيل الى الحقول والتلال القريبة من بلدتها لتمارس هوايتها المفضلة وهي المشي في الطبيعة، و”تسليق” ما تيسر أمامها من أعشاب برية متنوّعة لتحولها الى أطباق صحية وشهية على مائدتها. بلغصون، راسو بعبو أو مخو بعبو كما يعرفه أبناء المنطقة، حرّاق أصابعه، زعتر بري، قرصعني، خسخيسة، خبيزة، عكوب، حميضة… وغيرها من أصناف الأعشاب البرية التي تختلف تسميتها وطريقة أكلها من منطقة الى أخرى. ولكل طبق قصة كما أسماء “العشبة” التي تبدو للبعض، وتحديدًا أبناء المدينة، وكأنها آتية من كوكب آخر!

لا يختلف اثنان حول الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي نعيشها كلبنانيين، مما انعكس على العديد من عاداتنا ونمط حياتنا اليومي، ودفعنا الى التخلّي عن ترف العيش، وأصبحنا بين سندان بكاء طفل يبحث عن الحليب أو مريض يتوسّل الدواء، ومطرقة انهيار اقتصادي كارثي، مما اضطُر الغالبية إلى اللجوء إلى استراتيجيات جديدة للتكيّف مع الوضع والحد من الإنفاق لما فيه من راحة للجيب، وسط تراجع مستمر لقدرتنا الشرائية، لنغرق في بحر لامتناهٍ من الهموم ولا قرار له، بدءاً من أزمة رغيف الخبز وصولاً الى أزمة المحروقات، مروراً بأزمة الدواء وغلاء أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية وخطر فقدانها، في ظل غياب أي مؤشر يدعو الى الاطمئنان أو الى قرب انتهاء هذه الأزمة، مقابل تزايد المخاوف من تفاقمها بحسب معظم الخبراء الاقتصاديين.

لكن، “رب ضارة نافعة” كما كانت تقول ستي، فعلى الرغم من كل هذه المشاكل قرّر اللبنانيون المواجهة على طريقتهم. والبداية من استبدال أطباق ووجبات الفاست فود  والطعام المعلّب والمصنّع بأطباق صحية طبيعية، واللحوم بالأعشاب والحبوب الغنية بالبروتين، وخبز الأفران بخبز الصاج المنزلي، والكهرباء وفواتير اشتراك الموتور التي أصبحت تكوي بنار أسعارها بالوسائل التقليدية من شموع وقنديل الكاز (إذا توافرت المادة)، ومن كانت ظروفه المادية تسمح بذلك توجّه نحو استعمال الطاقة النظيفة أي الطاقة الشمسية لتوفير الإنارة، والعديد منهم نفض الغبار عن المواقد القديمة في بيوتهم الجبلية لترقص ألسنة نار الحطب تحت طناجرها التي هجرت الغاز المنزلي بعد جنون ارتفاع سعره. أما ما توافر من دواء في الصيدليات، فنال نصيبه من ظاهرة “البديل”، فأصبحنا نسمع كركرة الماء المغلي مع الأعشاب الطبية في الإبريق على النار خاصةً في ليالي الشتاء الطويلة والباردة لمعالجة نزلات البرد والرشح.

تؤكد مارسيل أن الأزمة المعيشية فرضت عليها تغيير العديد من العادات اليومية البدهية، وما كانت تستسهل وتسترخص شراءه من الأسواق أصبحت تبحث عنه بأقل كلفة ممكنة، “طبخة المجدرة صارت بتكلف هيديك الحسبة، من دون أن نحسب جاط السلطة معها، والخير لقدام” تقول، لذلك بدأت تزرع الحشائش والخضار في “الحاكورة” جنب منزلها لتأمين حاجات عائلتها بأقل كلفة ممكنة، وبالتالي تقيها من شبح العوز، بالإضافة الى أنها «تَبرُك» أكثر مما يسمح لها بالتوزيع على الأقارب والجيران أيضاً. كما اقتنت الماعز والدجاج لتحصل على الحليب ومشتقاته والبيض البلدي الطازج والصحي. وتعمل مارسيل في تحضير المونة البيتية وبيعها، من كشك ومكدوس وكبيس ومربيات، واليوم طوّرت عملها، ووجدت في ممارسة هوايتها في “التسليق” مدخولاً موسمياً إضافياً من خلال بيعها لزبائنها مما يسمح لها بالصمود، وتنفيس التوتر اليومي الذي تعيشه بالخروج الى سكون الطبيعة وجمالها، وبالتالي تحافظ على رشاقتها وصحتها الجسدية والنفسية والعقلية. وفي بعض الأحيان تكون فرصة لها لـ”البيك نك” في أحضان الطبيعة، وذلك باصطياد يوم صحو بعد فترة من الأيام الماطرة، إذ تتفق مع صديقاتها في يوم العطلة لقطف ما تيسر من الحشائش، ويجهزن الأكياس والسكاكين لجمعها وفق الطقوس الملائمة له.

لطالما شكل “السليق” جزءاً من الغذاء السليم للقرويين اللبنانيين، وحتى بعد انتقالهم للسكن في المدينة، وهو عالم واسع يجمع بين النكهة الطيبة والفائدة الصحية وتجنّب الجسم ضرر تناول المواد الحافظة والأسمدة الكيميائية. إذاً، فما هو هذا «السليق»؟ وما هي أنواعه وخصائصه؟ وما هو الفرق بينه وبين الحشائش التي تنمو في حدائق المنازل؟

يعرّف المهندس الزراعي داني يموني “السليق” بأنه نوع من النباتات البرية الصالحة للأكل، والتي اكتشفها أجدادنا على مراحل واختبروا مذاقها وتأثيرها على جسم الإنسان، وبدأوا بتصنيف هذه النباتات وتقسيمها بين صالحة للأكل أو طبية أو عطرية… وهي تنمو من تلقاء نفسها من دون الحاجة الى الزرع أو الاعتناء بها، ويكون مصدر نموها إما من مجموعة نباتات قريبة وإما من أنواع بذور كانت موجودة من قبل، أو انتقلت عادة بواسطة العوامل الجوية المختلفة، وساهم في نموها وجود بيئة مناسبة. ويتميّز «السليق» بقدرة كبيرة على مقاومة الآفات والقضاء على الحشرات، وأنواعه صالحة للأكل ومجانية. وقد يكون لها شبيه في النباتات المزروعة مثل الهندباء التي نجد منها ما هو بري وما نقوم نحن بزراعته.

تكمن صعوبة “السليق” بأنه ينبت في أوقات محددة من السنة أي فترة الربيع مبدئياً، أو حسب طبيعة كل منطقة وكل صنف منه، كما تختلف تسميته من منطقة الى أخرى.  ويشير “يموني” الى أن البعض عمد خلال هذه الأزمة الاقتصادية وغلاء البنزين الى جمع كميات كبيرة من “السليق” وتخزينها عبر سلقها وتفريزها للاستفادة منها طوال السنة أو لبيعها لمن يريد. وقد عمدّ البعض الى نقل أنواع معينة من هذه الأعشاب البرية كالزعتر البري وزراعتها في حدائق منازلهم لتسهيل عملية الحصول عليها وتخفيف كلفة الانتقال لجمعها.

وبما أن هذه الأعشاب البرّية دخلت في إعداد العديد من وجبات الطعام، لا بدّ هنا من السؤال عن الفوائد الغذائية والصحية التي تقدمها هذه الحشائش؟ وهل تعوّض نقض الفيتامينات الموجودة في أصناف المأكولات التي اضطُر اللبنانيون الى الاستغناء عنها بسبب غلاء أسعارها، لا سيما اللحوم؟

توضح رئيسة دائرة إخصائي التغذية في مصلحة المهن المجازة في “القوات اللبنانية” عبير أبو رجيلي، بأنه في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان أصبحت هناك تغييرات كثيرة لتوافر المواد الغذائية من جهة، ولنوعية هذه المواد المتوفرة من جهة ثانية، خصوصًا مع وجود ماركات جديدة في الأسواق، واختفاء ماركات معروفة لناحية المنشأ وجودة النوعية، وإن وجدت فهي باهظة الثمن. من هنا ضرورة التنبّه لتعويض النقص الغذائي في وجباتنا من مصادر أخرى، لا سيما مع واقع انحسار عملية شراء اللحوم بسبب ارتفاع أسعارها. وعليه، يجب تعويض نقص البروتين عبر تناوله من المصادر النباتية. وتنصح الأشخاص الذين يعانون من فقر الدم الى ضرورة تناول الفيتامين «c» الى جانب الوجبات الغنية بالحديد لكي يمتصه الجسم بشكل أفضل، فعصرة الحامض الى طبخة العدس تنفع ولا تضر. كما لا بد من الإشارة الى أن هذه الأزمة الاقتصادية خففت من استهلاك الفاست فود، مما انعكس بشكل غير مباشرة على صحة الإنسان الذي لجأ الى الطعام البيتي الصحي. ونلاحظ أن أهلنا خاصة في القرى لجأوا الى الطبيعة والحشائش البرية لتعويض هذا النقص الغذائي، بالإضافة الى فوائدها الصحية.

فوائد العديد من الأعشاب البرية عديدة. وتقول أبو رجيلي: “القرصعني غني بمضادات الأكسدة، رائحته عطرية ويستخدم النبات الغض منه في الكثير من أنواع السلطات، وهو طيب المذاق ومفيد جداً، ويساعد على التخلّص من حالات إضطراب النوم والآلام القلبية والمفصلية وتقلّصات الدورة الشهرية. أما الخبيزة، فتعتبر من الوجبات التي تحتوي على عناصر غذائية مفيدة جداً للجسم، فهي تعمل على تعزيز صحة الجهاز المناعي وزيادة كفاءته بسبب خصائصها المضادة للبكتيريا والفيروسات، وتقترب تركيبتها الغذائية من نبتة الجرجير والسبانخ الغنية بالفيتامينات والمعادن، أهمها فيتامين A وB12 والحديد، بالإضافة إلى أنها تحتوي على مضادات الأكسدة التي تلعب دورا هامًا في الوقاية من العديد من الأمراض الخطيرة في مقدمتها مرض السرطان، فضلاً عن مكافحة الشيخوخة المبكرة ومنع تكوّن التجاعيد والحفاظ على شباب البشرة الدائم”.

وشددت أبو رجيلي على أن لائحة فوائد الأعشاب البرية تطول وتطول ولكن استهلاكها وحدها لا يكفي للتعويض عن نقص الفيتامينات، بل يجب إدراجها على لائحة نظامنا الغذائي الى جانب الحبوب لتأمين البروتيين والفيتامينات والمعادن الضرورية للجسم.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل