
الكثيرون كالوا لمواقفِ السياديّين التّهم، وأبرزها أنّهم عملاء، ومرتبِطون بالسّفارات، ويتلقّون أوامرهم من جهات خارجيّة مشبوهة… لن أدافع عن السياديّين، فما من أحد يسلم سلامة مطلقة من العيوب، على الرغم من إساءةِ الظّنونِ إليهم، وفي مواضيع كثيرة أشرت إليها في مطلعِ النصّ. لكنّني، وبعد ملاحظة معمقة لسلوكِ السياديّين، لكي تنقشع البقع التي مررت بها، خلال متابعاتي، ولم أفكّرْ في أنّها أهلٌ لتكون قضية بحث لِاجتهادي، فقد آليت على نفسي عدم اعتبارِ هذه البقعِ جيبا مرقوعا في كنفِ مسلكِ السياديّين، أو عدسة آلة جوفاء أحشر فيها قلمي لِأخرج بلقطة مسلوبةِ الفِعل، فلا أصِل الى نتيجة.
لذلك، كان همّي، في القرارِ الذي اتّخذته لكتابةِ هذا النصّ، الإشارة السّريعة الى قواسمِ السياديّين المحِقّةِ، وذلك، حتى لا أخون صور الواقع، فأنتقل، بعدها، الى صلبِ المعالجةِ أي خطأ الإنحرافِ غيرِ المقصودِ عن الأساسِ في النّضال.
لا شك في أنّ هموم الناسِ أولويّةٌ يتعاطى معها السياديّون، تكرّ سبحتها، يوميّا، لتجعل كل مواطن يعيش سكيزوفرانيا قاتِلة، بين واقع حقيقيّ مليء بالبؤسِ واليأس، وبين واقع إفتراضيّ أفضل يحلم به. ولمّا كان النّاس عاجِزين، في غالبيّتِهم، عن تأمينِ الحدِّ الأدنى من متطلِّباتِهم الضروريّة، وفي رأسِها الطّعام والدّواء، ومعتقلين في دائرةِ القهرِ والجوع، لا عجب من وقفاتِ السياديّين مدافِعين عن حقِّ النّاس الذين فقدوا، حتى، كفالة الخبز.
لا شك، أيضا، في تجنّي أركانِ السّلطةِ على المؤسّساتِ الخِدماتيّةِ عموما، والموجودةِ في المناطقِ السياديّةِ خصوصا، على صعيدِ مدِّها بالقدرةِ الماليّةِ، والأسلاكِ، والإمكانيّاتِ اللّوجستيّة، وسوى ذلك من مستلزماتِ قيامِها بواجبِها تجاه المواطنين، ما يقود، حتما، الى تعطيلِها، جزئيّا أو بالكامِل. وقد انبرى السياديّون، في المناظرات، والمنتدياتِ على أنواعِها، والمنابر… للمطالبةِ بدعمِ دوائرِ الخِدمات، وإنهاءِ سطْوِ المافياتِ عليها، والكلّ يعلم أنّ القيِّمين على هذه الدوائرِ لا يقطعون خيطا من دونِ أمرِ المافيا المعروفة.
لا شك، أيضا، في أنّ دفاع السياديّين عن النّظامِ الديمقراطيِّ الذي يكفل الحريّات، ليس شِعارا بِقدرِ ما هو أداءٌ مبدأيٌّ يؤكّد على أنّ الشّعب هو سيّد نفسِه، وأنّ الديمقراطيّة هي قِوام الكيانِ السياسيِّ الإجتماعيِّ المسمّى دولة أو جمهوريّة. والدّفاع عن الديمقراطيّةِ مشروعٌ في وجهِ أوتوقراطيّة أو حكم إلهيّ يتسلّط بديماغوجيّة سافرة تخفي وراءها أهدافا ملتبِسة، بشعارات سفسطائيّة، ليس أقلّها القضاء على الهويّةِ، وتسطيح فكرةِ الوطن.
لا شكّ، أيضا، في أنّ حياد لبنان الذي يرفضه ما يسمّى بالممانِعين، هو مسألةٌ وطنيّةٌ يجدها السياديّون تحمي البلاد من خطرِ تحويلِها ساحة لتصفيةِ الصّراعاتِ والحساباتِ، وتوفِّر مزيدا من الخسائرِ على مستويي الحجر والبشر، وتحصّن لبنان دوليّا، وتؤمِّن، في الدّاخلِ، استقرارا، وتوازنا. واستنادا، من حقِّ هؤلاءِ السياديّين، بل من واجبِهم، عدم ترحيلِ قضيةِ الحيادِ، بلِ التكوكب لنصرتِها تأكيدا على رفضِ التدخّلِ في شؤونِ الوطنِ، وإِلزامِ احترامِ السيادةِ الترابيةِ للدولة، ما يشكّل ضمانا أمنيّا يتيح التنمية في كلِّ المجالات، وفي كلِّ المناطق.
لا شكّ، أيضا، في أنّ الولاء للبنان يشكّل محور كلِّ الفضائلِ الوطنيّة التي يؤمن بها السياديّون، ويعني ثقافة التّرابطِ بين الوطنِ والمواطن، الى حدِّ القبولِ بمقوّماتِ التضحيةِ في سبيلِ حمايةِ الكيان. ولمّا لم يكنِ الولاء حتميّة تنسحب على كلِّ المقيمين في مساحةِ البلاد، وكان هناك ولاءاتٌ رديفةٌ لبلدانِ ما وراء الحدود، تعكس سلبية تدميريّة تشوِّه قِيم الوطنِ من حريّة، وعدالة، وأمن، وتسعى لتحويلِهِ مستعمرة راضخة لمشيئة غريبة، توجّب على السياديّين، ولو بنزفِ الشهداء، مواجهة الوصايةِ، بالنِّضال، حتى لا نصل الى زمن يجبرنا على إعادةِ النّظرِ بعيدِ الجلاء.
واستنادا الى كلِّ ما تقدم، وما تقدّم يعني أنّ السياديّين كانوا في موقعِ الحقّ، تصدّوا للأضرارِ التّشويهيّةِ التي تطال سلامة الوطنِ وأهليه. ولكنّ ذلك كلّه، وإِنْ وفى بِغرضِ تسكينِ وجعِ الناس، مرحليّا، وتعاطى مع مشكلاتِ البلادِ بجديّة، غير أنّ التّركيز الأساسيّ ينبغي أن يكون على السّببِ الذي أنشا هذه المشكلات، وعمّق الخطر على تقويضِ الدولة، وهو السّلاح خارج سيطرةِ السّلطةِ الشرعية. فأيّ مضمون لحديث، أو توصيف، أو مداخلة، أو تعليق، يهمّش فيهِ موضوع السّلاح، يبقى غير ذي قيمة على صعيدِ مقاربةِ القضيةِ الوطنيّة. فيا أيّها السياديّون، لست، هنا، في موقعِ إرشادِكم الى وعْيِ لبِّ مأساةِ لبنان، فأنتم تعرفون ذلك، تماما، لكنّكم تغفلون، أحيانا، أو في كلِّ الأحايين، التّركيز على هذه المعضلةِ الخطيرة، وكأنّكم فقدتم حسّ التّوجيه، فضاعت منكم البوصلة…
