#dfp #adsense

عندما قبّل شهداء القاع تراب الأرض

حجم الخط

تاريخ من تاريخ…

لأننا واجهنا ببسالة دفاعاً عن لبنان، ولأننا نصرّ على بناء الدولة وعلى ألا يتكرر الماضي، نسترجع من ذاكرة الزمن أحداثاً خبرناها، لتكون العبرة لمن اعتبر.

نعم، هي الذكرى للعبرة وليس استفزازاً، الذكرى للقاء عابر مع أبطال صنعوا مجد لبنان ويستحقون العودة إليهم عبر صفحات الوقت. الذكرى لتكريم من كانوا متراساً بأجسادهم ليموتوا هم، ويحيا لبنان.

 

وفي القاع لم أعد أنا الشهيد…

بل أصبحت نحن الشهداء.

ما كانت بلدتي القاع وجوارها مصدر خطر لأحد… بل كانت الرغيف الأبيض للجائع، والنار الدافئ للبردان، والسيف اللامع المدافع عن كل طالب حق. لبنان هو الأيقونة المعلقة في رقاب أهالي القاع، والبطريركية حافظة إرث مار مارون ونحن حراس لهذا الإرث.

كنا نعيش ضمن هذا الإطار السياسي والديني بسكينة وهدوء، حتى مجيء السوريين ودخولهم العسكري إلى مناطقنا.

بدأ السوريون يضيّقون الخناق على المسيحيين في القاع والجوار، وكأنهم يدفعون بالأهالي للرحيل. لم يدروا بأن رحيل أبناء القاع عن أرضهم هو رحيل إلى سماء الله.

شائعات، دواوين… وأخبار ملأت المنازل والشوارع والساحات.

بدأت الغيوم السوداء تتجمع فوق القاع، وما كنا ندري ما إذا كانت نذير شؤم أم أنها تحمل الخير والبركة من أمطار لمزروعاتنا العطشى.

يوم الثلثاء في 28 حزيران من العام 1978، دخل علينا أصدقاء الشيطان… جنود سوريون مع عناصر حزبية جاحدة كافرة، وبدأوا باختطاف الشباب بحجة التحقيق معهم.

ستة شبان من رأس بعلبك.

خمسة شبان من الفاكهة.

خمسة عشر شاباً من القاع.

بدأ الغليان عند الأهالي، وبدأت الاتصالات، وكان الجواب: “عندما ينتهي التحقيق يطلق سراح الجميع”. كنا بقبضة يد سوداء تحمل من الحقد ما يكفي لملء المحيطات.

كنا في السيارات العسكرية، كانت أيدينا خلف ظهورنا مكبلة، وكنا نرى على أطراف الطرقات التي نسلكها العشب الأخضر ينحني ويلتصق بالأرض… كنا نشعر بأنه يحمل الحزن والاحترام لنا.

وصلنا إلى منطقة وادي الرعيان في البزالية. أنزلونا من الشاحنات العسكرية، وبسرعة رموا بنا على الأرض، وجعلوا وجوهنا ملتصقة بالتراب، وبدأ الرصاص يمزق أجسادنا.

حتى عندما كنا نستشهد ونموت كنا نقبل تراب الوطن…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل