

كتبت ميرا الخوري في “المسيرة” – العدد 1741
لم يسلم القطاع التمريضي من تداعيات الإنهيار الاقتصادي والمعيشي الذي يعيشه لبنان حالياً. لم تكن جائحة كورونا وحدها من وضعت الطاقم الطبي والتمريضي تحت ضغط المواجهة والمحاربة من دون مقابل مادي أو معنوي يلبّي حاجاته، بل وضعت الأزمة الاقتصادية أوزارها كذلك.
وعلى الرغم من كل الأعباء والضغوط على أشكالها التي يعاني منها القطاع التمريضي في لبنان، بقي أعضاؤه خط الدفاع الأول الى حدّ الإستشهاد في وجه الأزمات المتراكمة، والتي لم يكن آخرها خسارة خمس ممرضات يعملنَ في مستشفى القديس جاورجيوس والوردية على إثر إنفجار مرفأ بيروت.
حالياً، يخسر لبنان يومياً عدداً من أفراد كادره التمريضي الذين باتوا يفضلون الهجرة إلى حياة أفضل هرباً من الواقع المزري في بلادهم. الهجرة سيف مصلت على الواقع التمريضي ويكاد يتحوّل، بحد ذاته، إلى جائحة حقيقية أشد فتكاً بالنظام الإستشفائي والتمريضي من أي جائحة أخرى. فالضائقة المعيشية جعلتهم عاجزين عن تأمين أبسط الحقوق والقوت اليومي، وحتى أساسيات الحياة. الوضع مزرٍ بكل بساطة، والجسم التمريضي بخطر، فيما الذين هاجروا هم بغالبيتهم من الفئة الشابة ويمتلكون من الخبرة والكفاءة ما يصعب تعويضه ولو بعد سنوات طويلة.
هذا وبرزت أهمية عمل التمريض بشكل مهم في السنوات القليلة الماضية، حيث كان الممرضون في طليعة الصمود بوجه الضائقة المعيشية والوضع الإقتصادي المنهار، كما عملوا على اكتشاف الأمراض الخبيثة والفتاكة واحتواء تفشيها، وخصوصًا خلال مرحلة إنتشار فيروس كورونا. وقف الممرضون والممرضات كالجنود في وجهه، فيما بعضهم خسر حياته خلال المواجهة، هذا من دون غفل عملهم الدؤوب تحت الضغط النفسي حيث تعرضوا في الكثير من الأحيان للإنتهاكات والتعدي والشتائم من أهالي المرضى.
تبقى شهادات الممرضات والممرضين أصدق ما يُقال عنهم، على لسانهم. ما يختبرونه ويعيشونه من تجارب ينقل الصورة الحقيقية ليومياتهم ورسالتهم الإنسانية.
لدى الممرض فراس صالح الكثير ليقوله، فهو أب لطفلتين والوضع الإقتصادي والمعيشي وتراجع قيمة الرواتب والأجور الشهرية بالليرة اللبنانية، والتي كانت أصلاً مجحفة يوم كان سعر الصرف 1500 ليرة، أجبره على العمل لساعات طويلة وبأكثر من مستشفى ضمن الطاقم التمريضي في قسم العناية الفائقة لمرضى الكورونا. كل هذا لإعالة العائلة وتأمين أدنى مقوّمات العيش الكريم والمستلزمات الأساسية من حليب وطبابة وأدوية و… و… مقابل خسارة الوقت المفترض تمضيته مع العائلة.
أما هاجس الإصابة بكورونا فكان الأصعب، خوفاً على العائلة وكل يوم حجر هو خسارة يوم عمل لتأمين المدخول، مشيراً الى أن بعض المستشفيات كان يفرض على الممرض دفع رسوم الحجر الصحي، إضافة الى إلزامهم تكبّد دفع تكاليف فحوصات الـ PCR من مالهم الخاص.
أما الممرض حنا طعمة الذي كان يعمل من بين الطاقم التمريضي في قسم العناية الفائقة لمرضى الكورونا، فيصف لنا تجربته وما خاضه من مصاعب يومية مع كورونا، قائلاً: «كشف لنا الفيروس قيمة الحياة وأهمية العائلة أكثر من أي وقت مضى، فكان علينا أن نعيش كل لحظة بلحظتها، وما كنّا نراه صعب وموجع. اختبرنا مع الفيروس لحظات صعبة وكيف يخطف المريض في لحظة غير متوقعة بعد أن تكون حالته الصحية باتت مقبولة. حيث حُرمت عائلة المريض من الإطمئنان إليه وزيارته، حتى أن البعض حُرم من توديع مريضه ولم يستطع أن يقول له كلمة وداع أو يشعر بوجودهم قبل وفاته».
ما هي أصعب اللحظات التي اختبرتها في عملك مع مرضى الكورونا؟ يشير طعمة إلى أن «أصعب لحظة عشتها كانت عندما ساءت حالة أحد المرضى عند الساعة الواحدة فجراً في العناية الفائقة وحاولنا الإتصال بأولاده ليسمع صوتهم قبل وضعه على الجهاز التنفسي. لم يُجب سوى إبنه، وبعد أيام توفي المريض من دون أن يتمكّن أولاده من رؤيته أو سماع صوته».
ما هي أسعد اللحظات التي إختبرتها؟ يشير طعمة الى أن «هذه اللحظات كانت قليلة لكنها لا تُنتسى وراسخة جعلتنا لا نفقد الأمل، عندما ودّعنا مريضًا وخرج من المستشفى الى المنزل بعد أن أمضى ما يقارب الأربعة أشهر في العناية الفائقة».
أما بالنسبة الى الممرضة كلير أنطونيوس التي كانت تعمل في قسم غسيل الكلى المستحدث لمرضى الكورونا، فتصف لنا تجربتها وما تخوضه من فصول ومصاعب يومية مع كورونا، قائلةً: «ما عشته وعشناه في قسم غسيل الكلى لا يقلّ خطورة لا بل يضاهي باقي الأقسام. فمع بداية الموجة كنا نقاوم كجسم تمريضي بالحلول مكان الطبيب ومساعد الممرض ورجل التنظيف والصيانة، لضيق الوقت والحالات الطارئة التي كنا نواجهها».
تعيش أنطونيوس صراعًا مع الوقت والحياة، فكلما توجّب عليها الدخول الى غرفة المريض تخوض صراعًا «بين أهمية حماية نفسي وإرتدائي للبدلة الوقائية وبين كسب الوقت للكشف على المريض والتفكير بعائلتي في حال إصابتي بالفيروس. الدقيقة غالية وكل تأخير قادر على أن يسرق المريض منا. لو كان بإمكان الناس أن يروا ويختبروا ما عشناه ورأيناه مع المريض لما استهتروا باتخاذ الإجراءات الوقائية».
مع إنهيار القطاع الصحي زاد العبء عليهم وحمّلهم مسؤولية تجاه حياة المرضى، ومع ذلك لم يحصلوا على رواتب كافية مقابل الجهود والمعاناة التي عاشوها، بل، في أحسن الأحوال، على بعض الكلام اللبق والتصفيق الخجول شكراً لهم.
منذ أن عُرف لبنان كمستشفى الشرق تميّز فيه الدور التمريضي إلى جانب الدور الصحي، فالممرضون والممرضات أولوية القطاع، والطبيب لا يستطيع العمل في حال غيابهم، فيما لا إستمرارية لأي مستشفى من دونهم.
التمريض أبعد من مهنة بكثير، إنه رسالة إنسانية بحضور متميّز، وخبرة في التثقيف الصحي، ومهارات وخدمات سريرية مهمة، وفعل شراكة مع وجع المريض وقلق أهله.
التمريض تحدٍ يومي نعيشه، ونحن نخلع الهموم والمشاكل والصعوبات التي نعيشها في لبنان حين نرتدي الرداء الأبيض، ونحاول أن نكون مثالاً يُحتذى به من حيث الخبرة الطبية والأداء الإنساني والنضال المهني النقابي والحزبي.
ليس من اليسير ألا يعرف المرء ليله من نهاره، ولا عطلة نهاية أسبوع ولا عيدًا، فيما ضغط هذه المهنة ينعكس على الممرض وعائلته أيضاً.
وسط الأزمات الحالية، سوف تبقى الممرضة الجندي المجهول وخط الدفاع الأول وصاحبة الدور الأساسي في مواجهة الأزمات التي عصفت بوطن الأرز، على أمل عودته مستشفى الشرق، وتعزيز مهنة إنسانية في واقع بلد فقد الكثير من إنسانيته.
ميرا الخوري ـ رئيسة دائرة الممرضين والممرضات في مصلحة المهن المجازة في “القوات اللبنانية”
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]