
في علم النفس يعتبر “الإسقاط” آلية دفاعية من ضمن استراتيجيات نفسية يستخدمها العقل الباطن حيث “يلصق” الشخص عيوبه ونقائصه ورغباته في شخص آخر. “الإسقاط” هنا حالة نفسيّة معروفة مبرّرة وله أسبابه التخفيفية، وهذا لا ينطبق على آليات “الإسقاط” المعتمدة ـ المتعمّدة في الأداء السياسي، حيثُ يتدّخل العقل الواعي في إسقاط التهم والنواقص الارتكابات على الخصم مع بروباغندا التعمية والتعميم.
فالأداء السياسي والإعلامي للممانعة محليّة كانت أم إقليمية، هو عمليات “إسقاط” مستمرة متتالية على الخصوم لمحاولة تخويفهم وتخوينهم لترويضهم وإلحاقهم بركابهم أو ثنيِهم عن معارضة ارتكاباتهم والتصويب عليها.
ولموضوعية البحث سنعتمد “القاموس السياسي” والأدبيات الوطنية “الوحدوية” لتلك الممانعة، باعتبارها التدخل الأجنبي لا يشمل السوري ولا الإيراني والا لطال البحث الى ما لا نهاية.
فمثلاً، لم تبرح عبارة “الاستكبار العالمي والاستعمار الغربي” خطب وأدبيات “الحزب” من إعلان وثيقته التأسيسية في 16 شباط من العام 1985، الى وثيقته السياسية “المجمّلة” غير المعدّلة في 30 تشرين الثاني من العام 2009 وصولاً الى يومنا هذا.
وللدلالة على اقتراف محور الممانعة لآلية “الإسقاط” على الخصوم، نورد بعض النماذج من الاستفادة من التدخل الأجنبي “الحلال”.
ـ نبدأ مع التفويض “الأميركي ـ الغربي” الذي أُعطي للنظام السوري في لبنان من العام 1990 وحتى العام 2005، مقابل انضمام جيش الأسد لجيوش تحالف “الاستكبار والاستعمار” ضد العراق في العام 1990.
ـ نقرأ من رسالة الرئيس السابق ميشال عون إلى الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران في 29 تشرين الأول من العام 1989 ما يلي، “قلة هم الرجال اليوم الذين يمكنني أن أتوجه إليهم، وأن أخاطبهم، وأكون مسموعاً منهم. أنت هو الرجل الوحيد القادر على ذلك، لأنك فرنسي، لأنك رجل ثقافة وتاريخ، ولأنك تسعى إلى تحقيق مصالح فرنسا، هذه المصالح التي تتخطى حدود بلادكم”، ليعود الرئيس ميتران ويعتبر أن قضية ميشال عون “شرف فرنسا”.
ـ نقرأ من شهادة ميشال عون أمام الكونغرس الأميركي في واشنطن في 17 أيلول من العام 2013، “لقد أدرك الغرب، ومنذ فترة ليست ببعيدة، أن إنقاذ لبنان هو ضرورة حيوية لمسألة الأمن العالمي، ومن الضروري إنقاذ ذلك البلد الذي يقدّر المبادئ الأميركية، والقيم الإنسانية التي نؤمن بها جميعاً. إن إنقاذ لبنان هو إعطاء مصداقية لما أعلنه الرئيس بوش في خطابه في 11 أيلول من العام 2002، وأنقل عنه: سنستخدم قوتنا وتأثيرنا اللذين لا يوازيهما شيء، لبناء جو من النظام والانفتاح العالمي يمكن أن يزدهر فيه التقدم والحرية في دول كثيرة. إن عالماً مسالماً من الحرية المتعاظمة يخدم المصالح الأميركية على المدى الطويل، ويعكس المثل الأميركية ويوحد حلفاء أميركا”.
ـ حرب البوسنة – الهرسك، آذار 1992 ـ تشرين الثاني 1995: عن هذه الحرب يتحدث أمين عام “الحزب” السيد حسن نصرالله في 25 أيار من العام 2013 كاشفاً أن “الحزب” قاتل في البوسنة والهرسك في السابق من أجل الدفاع عن المسلمين”. هنا تجدر الإشارة الى أن تدخل “الحزب” في البوسنة والهرسك كان الى جانب الجيش الأميركي في الدفاع عن المسلمين في البوسنة بوجه الصرب ولمصلحة جيش الاستكبار بوجه روسيا، علماً أن نصرالله وفي كلمته في 25 أيار من العام 2013 قال إن “الحزب” لا يمكن أن يكون في جبهة فيها أميركا وإسرائيل”.
ـ تفاهم 26 نيسان من العام 1996 وهو اتفاق مكتوب بين لبنان (الحزب) وإسرائيل برعاية وزيري خارجية الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وارن كريستوفر وفيليب دو شاريت… وقد اعتبر “الحزب” هذا التفاهم انتصاراً للحزب والمقاومة. وعرفاناً “للتدخل الفرنسي” لمصلحة الحزب قال حسن نصرالله في رسالة الى فرنسا نشرتها صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية بتاريخ 9 نيسان من العام 2005، “إن فرنسا البلد الذي نحفظ له نحن الحزب بود كبير، دوره الأساسي في إنجاز تفاهم نيسان، والذي يحفظ له جميع اللبنانيين الصداقة ويتشاطرون معه قيم التسامح والسلام والديمقراطية، مدعو إلى المساهمة في دفع الحوار الوطني والمصالحة الداخلية من موقعه كصديق”.
وفي هذا السياق، كان لميشال عون موقفا مغايراً عن حسن نصرالله، إذ نقرأ في صحيفة النهار في 18 آب من العام 1997 بياناً له يقول فيه، “إن تفاهم نيسان الذي أقرّ بعد عناقيد الغضب يبيح لإسرائيل حرمة اللبنانيّين. كيف تفاوض المقاومة عدوّها وتقبل بشروطه فتصبح مقاومة بالتراضي، كما أنّها تعطيه أمناً كاملاً على أراضيه وتجعل من أراضيها جهنّم كاملة”؟
ـ في 14 تموز من العام 2007، في مؤتمر سان كلو في فرنسا، طرح “الحزب” تعديل الدستور بالمثالثة، ليعود الثنائي الشيعي ويحصد التوقيع الثالث (المثالثة المموّهة) بتثبيت وزارة المال للشيعة، في المبادرة الفرنسية في آب من العام 2020.
ـ 31 تشرين الأول من العام 2016، انتخاب ميشال عون رئيساً، وتصريح رئيس مجلس النواب نبيه برّي بما يلي، “انتخاب عون تسوية أميركية ـ إيرانية”… ليؤكد بعده عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب نواف الموسوي في 13 شباط من العام 2019، أننا “نفتخر بأن “الحزب” أوصل فخامة الرئيس ميشال عون من خلال بندقية المقاومة”.
ـ ترسيم الحدود البحرية: يقول نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب في 11 تشرين الأول من العام 2022، إن “اميركا قامت بجهود جبارة لنجاح هذا الملف”. وكان نصرالله قد برّر تقاطعه مع الوسيط الأميركي “غير النزيه”، بقوله في 17 أيلول من العام 2022، إن “هدفنا أن يتمكّن لبنان من استخراج النّفط والغاز، بدنا ناكل عنب”.
ـ حماية داعش: في 1 تشرين الأول من العام 2022، أعلن نصرالله أن “أميركا هي من صنعت داعش”… وكان صدر عن “الحزب” في 2 أيلول من العام 2017، بيان طالب فيه الحزب بحماية الباصات التي تنقل مسلحي داعش من “اعتداء” الطائرات الأميركية، مطالباً المجتمع الدولي “بالتدخل لوقف هذه المجزرة”. وعلى ذكر المجتمع الدولي، كان لنصرالله موقف آخر إذ قال في 28 تشرين الأول من العام 2005، “إن المجتمع الدولي يبذل كل جهده ليحقّق مصالح أميركا وإسرائيل فقط وفقط وفقط”.
ونصل مع آخر النماذج الى ترشيح النائب السابق سليمان فرنجية الثاني، بين الثنائي الشيعي والاستعمار الفرنسي”، بالتكافل والتضامن والتوازي، إذ يتباهى الحزب والحركة والمحور وإعلامهم بالمباركة الفرنسية، ويفبركون رضى أميركي و”لا معارضة” سعودية. وهنا يمنن نبيه برّي نفسه بالشكليات ليبني تأييداً وتأكيداً فرنسياً لتبني ترشيح فرنجية، ففي 23 حزيران من العام 2023، أعلن رئيس مجلس النواب أن “لودريان أعطى فرنجية إشارة لتمييزه عن غيره بدعوته الى الغداء”.
ولن نجد للختام خير من كلام الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، إذ فضح آلية “الإسقاط” المعتمدة من فريقه وحلفائه بقوله في 19 أيلول من العام 2015، شعار “الموت لأميركا” الذي يردده الإيرانيون ما هو إلا “شعار” وليس إعلان حرب ضد السياسة الأميركية”.
