
بشري يا بشري، يا بقعة من أرض الأبطال والشهداء والقديسين والمناضلين. يا أهل الصمود والتصدي، وأيضاً الانفتاح والحكمة والجيرة الحلوة والصبر. شهيدان بضربة واحدة وبفارق زمني لا يتعدى الساعات المعدودة، هذا كثير وخطير! قالوا خلاف عقاري بين قضائي بشري والضنية، علماً أن القرنة السوداء وبحسب ملفات بلدية بشري تابعة لقضاء بشري، ومع ذلك المحاكم المختصة لم تبت بالأمر نهائياً. حسناً، لنفترض هو خلاف عقاري، أبهذه السهولة تُصوب النار مباشرة على هيثم ومالك طوق، لتزيد النار ناراً، ولتوجه التهمة تلقائياً الى أهالي بلدة بقاعصفرين الحدودية تحديداً؟! وهل أهل الضنية أساساً مجرمون قتلة سفاحون؟! لا هم كذلك ولا أهل بشري أيضاً، هو صراع عقاري قديم، وهذا أمر معروف لكن ما حصل فوق وتسبب بتلك الفاجعة، يتخطى كل حدود الصراعات القضائية والشخصية الى ما هو أبعد وأخطر بكثير.
ما حصل في القرنة السوداء، أو قرنة الشهداء كما هي معروفة في التاريخ المناضل لأهل المنطقة، هو صورة فاقعة مدوية عن غياب منطق الدولة، وعن تغاضيها المتعمّد عن ملاحقة قضاياها الملحة، وبالتالي ملاحقة المخالفات والمجرمين أينما حلّوا في تلك الأرض التي صارت في غالبيتها، ملفى لمخالفات القانون، وبيتاً للخارجين عنه والفارين من وجه العدالة، ومنتجعهم المريح المفضّل!
لو كان لنا في لبنان دولة، لما كانت أساساً حدودنا فالتة يشوهها الإرهابيون الطامعون بهذه الأرض، الطامحون الى احتلال تلالنا العالية وقمم جبالنا الشامخة، لتكون لهم مخيمات عسكرية وليرعى فيها المسلحون والأغراب على كيفهم.
لو كان لنا في لبنان دولة، لما ترددت في ملاحقة هؤلاء وفي وضع الأمور في نصابها الصحيح، وأوقفت كل معتد ومجرم وملاحق وعاقبته بحسب ما تقضي القوانين.
لو كان لنا في لبنان دولة أساساً، لما حصل ما حصل في القرنة السوداء، ولما استثمرت هذه الفاجعة لتمرير رسائل سياسية كيدية، في محاولة رخيصة لزرع الفتنة بين المسيحيين والسنة من جهة، وبين المسيحيين في قضاء بشري والجيش من جهة ثانية.
ما حصل فوق، بغطاء خلاف على عقار، ليس إلا تفجيراً لمنطق الفتنة، وهو ليس مجرد قتل شابين، فحياة الناس عند بعض الأطراف وخصوصاً المتحكمة بمصير لبنان، هي مجرد أرقام. شاب، شابان، ثلاثة، ألف بالناقص، لن تزيد ولن تؤخر في شيء، القتل هنا رسالة متفجرة بأنه ساعة نشاء وأينما نشاء وكيفما نشاء، نحن قادرون على تحويل لبنان الى أرض محروقة، والناس هم الوقود.
ما حصل في قرنة الشهداء المصبوغة بدماء الشباب، يدخل في إطار حرف الأنظار عن الشغور الرئاسي، وتحويل الشمال تحديداً الى شمال حزين، غاضب بصمت، مذلول بالإرهاب، غير قادر على التحرك ولا الاحتجاج، لأن ثمة رسائل مماثلة قد تسرّب عند اللزوم، فحذاري.
ما حصل فوق في ذاك الجرد العالي الذي يكاد يلامس السماء بعنفوانه وإيمانه وانتمائه، هو زرع محاولة انشقاق مع الجيش اللبناني من خلال الإيحاء بأن لا ثقة به وأن منطق الانتقام سيسود، وطريقة القتل المتعمد توحي بكل تلك النوايا المدمرة التي ما عادت مبيتة، بل معلنة ومعلنة بشكل متوحش.
ومع الحزن والأسى، والغضب المتفجر الصامت، لن يكون لهم تلك الهدية، فلا فتنة مسيحية سنية هناك ولا من سيفتنون، لا خلاف مع الجيش بل على العكس، فالمنطقة أوكلت أمرها بالكامل للجيش اللبناني وحده، ليتولى الحماية والتحقيق، ومسيرة محاربة منطق الدويلة مستمرة، وإحلال منطق الدولة والعدالة والقانون مستمر، ولن يكون غيرهما السائد لو تحول كل لبنان الى برك دماء، لأن وحدها الدولة القوية العادلة، ومنطق القانون سيجفف كل تلك الدماء وسيعود لبنان الى أرض البخور والخير، ولن يكون سوى كذلك مهما غمّست أيادي الشر تلك أنيابها في جسد هذه الأرض المناضلة، ولا تحاولوا اللعب بالنيران وخيطوا بغير هذه المسلة.
