#adsense

الشرُّ ليسَ دخيلاً

حجم الخط

هناكَ مَنْ يشدّدُ على الرّابط الوثيق بين الشرّ والتّوجيه، وبإمكانِ التّوجيهِ الملتوي أن يجعلَ الشرَّ أقربَ الى النّفسِ من النّفسِ ذاتِها، بمعنى أن الشرّيرَ يسعى، باستمرار، الى أن تُصبحَ حياتُهُ شرّيرةً أكثرَ فأكثر، ليكون هناكَ تَكاملٌ وانسجامٌ بينها وبين الشرّ، تعملُ في خدمةِ أهدافِهِ. والأَدهى أنّ الشرّيرَ يكرّسُ حياتَهُ لخدمةِ الشرِّ الذي فيه، لأنّ بينهما رابطاً حميماً يختزلُ كلَّ سلوكِهِ، ولا عجب، فحضورُ الشرِّ في ذاتِ الشرّيرِ عميقٌ وفاعِل، يَقوى عندما يرتبطُ بقناعةٍ لا يتخلّى عنها صاحبُها. وفي لبنان، كانت حصيلةُ التّوجيهِ الشرّيرِ، إرهاباً وقَهراً وفساداً وتصفيات، وخيمةً على سمعةِ البلاد، وعلى علاقةِ أهلِها بعضِهم بالبعضِ الآخر. فالإنتسابُ الى الشرِّ، عندَنا، ومن قِبَلِ مجموعاتٍ معروفة، كانت نشاطاً مُلتَزِماً، لم يعتبرْه أصحابُهُ إضاعةَ وقت، أو إساءة، أو انحرافاً عن القِيَمِ والأخلاقيّات، بل صانِعاً لذاتِهمِ، وعنصراً نافعاً لهم لا يمكنُ الإستغناءُ عنه. واستناداً، إذا كان الشرُّ طاغِياً على فِكرِ صاحبِهِ، فأيُّ إمكانيّةٍ، إذاً، للإسهامِ في مشروعِ خلاصِهِ بالطرائقِ والوسائلِ الآيلةِ الى ذلك ؟؟؟ وبالتالي، الى أيِّ مدًى يمكنُ اختبارُ ولادةِ ثانيةٍ له ؟؟؟

ما جرى، ويجري، لا يدفعُ الى بناءِ إشكاليّةٍ بحاجةٍ الى حُلولٍ والى استنباطِ استنتاجات، لأنّ ما يجري لا يشكّلُ مسألةً رياضيّةً تفترضُ قواعدَ فيثاغوريّةً وآليّةً حسابيّةً معقَّدَة. ما يجري هو تَفَلُّتٌ سافرٌ غيرُ قابلٍ للحَدِّ منه، حتى الساعة، وكلُّ حركاتِ السلطةِ، على تنوّعِها، يُثبتُ ذلك، لأنّ هذه الحركات لم تُوصِل الى نتيجة، ولن توصلَ أبداً، وبشكلٍ مقصود. وبكلِّ صراحة، فالحركاتُ، هذه، مشبوهةٌ ومُغرِضةٌ ومُلتَويةٌ، وهي سافرةُ الأهدافِ ذلك، لتكونَ الأرضُ جاهزةً، حين يريدُها السلطويّون والمُمسِكون بالقرار، لتؤدّيَ الدَّورَ المُحَضَّرَ لها بالتّحديد.

لن تُقنعَنا، بتاتاً، التّصريحاتُ والطلّاتُ والتّغريداتُ والبياناتُ، من أيِّ جانبٍ أتَت وصدرَت، ولَو لُوِّنَت بالأسفِ، والأسى، والحزنِ، والتّعزيةِ، والدّعوةِ الى التروّي وعدمِ الإنجرافِ الى ردّاتِ الفِعل… فبدلاً من هذه التخرّصاتِ غيرِ الشافية، وهذا الكَدِّ لصياغتِها، كان حريّاً بِمَن أطلقوها، من المسؤولينَ والقَيِّمينَ على الشأنِ العام، أن يتحرّكوا، ومن زمان، لرَدعِ المجرمين، وهم يعرفونهم ويعرفونَ مُحرِّكيهم، قبلَ أن يُشرِعَ جُناةُ اليومِ بقتلِ أبرياء، ومن دونِ مبرِّرٍ مُقنِع، أو سببٍ مقبول، هذا إذا سلَّمنا جَدَلاً بوجودِ تبريراتٍ لا وجودَ لها حتماً…

إنّ الجريمةَ التي ارتُكِبَت في منطقةِ بشرّي، يمكنُ أن تكون، وكما يدّعي البعض، نتيجةً لتوتّراتٍ سابقة، ولصراعٍ على حيازةِ أرضٍ أو مياه أو سواها، ربّما… لكنّها، في حقيقتِها، فِعلٌ جرميٌّ مقصودٌ ومُعَدٌّ سَلَفاً، وهويّةُ مرتكبيهِ ومَنْ وراءَهم معروفةٌ وجهاً لوجه، ومفضوحة، لذلك، لماذا التّركيباتُ الهمايونيّة، والوساطاتُ الشعبويّة، والتفسيراتُ المُلتويةُ للحَدَث، وكلُّها تَوَصُّلاً الى تَمويهِ الحقيقة، وتحويلِ الأنظارِ الى تفاصيلَ مُختَرَعَةٍ لا علاقةَ لها بما جرى ؟؟؟

إنّ المَغدورَينِ، زوراً، قَضَيا باعتداءٍ مُدان، وأذيّةٍ مقصودة، وهما خسارةٌ باهظةٌ لأهلِهما، ورفاقِهما، وللمنطقة، فلا يَحسبُ أُولي الشرّ أنَّ قضيّةَ رَفيقَينا بساطٌ مبلولٌ يُنشَرُ في الشمسِ ليجِفّ. إنّ ما يهمُّ، هنا، بالإضافةِ الى اللّوعةِ العارمةِ التي سبَّبَها الفَقد، هو تلك الشّراهةُ في الشرِّ، والنّاتجةُ عن ثقافةٍ تُثيرُ الغرائز، وتنتمي الى انحطاطٍ بدائيٍّ عَدَمِيٍّ يعملُ مروِّجوهُ الى حَشرِهِ في أذهانِ تابِعيهم ليصبحوا مُقَولِبينَ كليّاً، مطواعين بلا وَعي، ويصبحَ انقيادُهم سهلاً لتنفيذِ ما يُؤمَرونَ بهِ من ارتكاباتٍ شنيعةٍ يعتبرونها إنجازاتٍ غيرَ مسبوقة، وجريمةُ بشرّي إحدى تلك الشّنائع.

لقد أصبحَت ثقافةُ الشرِّ، عندَنا، واقعاً لا يمكنُ التَّغاضي عنه، واستناداً، يُطرَحُ السؤال : الى أين نحنُ ذاهِبون؟ يرى البعضُ أنّ هذا التمرّدَ المتنامي على القِيَمِ، والقوانين، والأعراف، لا يجوزُ أن يُترَكَ يدوسُ كراماتِ الناس، ويتحكّمُ بحياتِهم، كما لا يُسمَحُ بأن يكونَ ” عفا اللهُ عمّا حصلَ، وسيحصل ” تلك المقولةَ التي تُضَمِّدُ الجراحَ، فيما القَيحُ ينخرُها، إنّما ينبغي الدّعوةُ، وبِإِلحاح، الى حربٍ على ذلك التّراثِ العقيمِ الذي يتبنّى ثقافةَ الموتِ والتَّمويت، بتربيةٍ يوميّةٍ صريحةٍ وعَلَنيّةٍ، وبملاحقةٍ حثيثةٍ لخَدَمَةِ الشرّ، فربّما تُبدَأُ بذلك رحلةُ الوطنِ الى ملاقاةِ الأَمنِ والسّلامةِ وثقافةِ الحياة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل