
كانت لتكون فرصة ذهبية لولا رفض لبنان “الرسمي” الوقح لها!
بكل صفاقة، وبكل انعدام حس المسؤولية والتعاطف مع المفقودين والأسرى والأهالي أنفسهم، رفض لبنان وامتنع، كي لا نقول رفس، رفس وليس كلمة أقل من ذلك، التوقيع في مجلس الأمن على مشروع قرار بشأن الكشف عن المفقودين والمخفيين قسراً في سوريا “الشقيقة”. الحجة؟ عدم تسييس القضية، وانسجاماً مع سياسة عدم “الانجرار” وراء تصويت خلافي يزيد المشكلات ولا يحل قضية المفقودين اللبنانيين التي ستزيد الجرح ألماً!
يا حياتي أتتألمون لهذه الدرجة بسبب المفقودين والأسرى فتخافون عليهم من التسييس؟ وأي تسييس أكبر بعد من هذا، حين ترفض الحكومة فرصة الكشف عن مصير الآلاف بين مفقودين وأسرى، فقط لأن الامر لا يناسب “الحزب” الحاكم في لبنان، ولأن دمشق “الشقيقة” ما غيرها، رفضت القرار كلياً بحجة أنه تدخل خارجي بشؤونها، ولا تزال حتى اللحظة تصرّ على إذلال اللبنانيين بأي طريقة ممكنة، وتحديداً عبر هذا الملف النازف، وأصلاً ليس أسهل عليها من إذلالهم بوجود مسؤولين لبنانيين خانعين جبناء ومتواطئين، أو عبر أزلام لا زالوا يعملون لصالحها في لبنان.
بكل تجرّد من حسّ الوطنية اللبنانية، وبانسلاخ تام عن مأساة أسوأ الملفات اللبنانية العالقة بين سوريا ولبنان، نفضت الحكومة اللبنانية يديها من دم هذا الصدِيق، وتخلت عن فرصة ذهبية كان يمكن أن تحقق الكثير، وأن تكون نقطة انطلاق دولية فعلية، للبحث عن رجالنا الذين ابتلعهم النظام السوري كما يبتلع القرش ضحاياه في عرض البحر، لتسجّل الدولة اللبنانية من جديد وجديد وتكراراً ومراراً، سابقة في التخلي عن حقها بمعرفة مصير أبنائها، وبالتالي عن حق هؤلاء بالعودة وحق الأهالي بالكشف عن مصير أقربائهم وأهلهم. أي عار بعد أكبر من هذا يا أمم العالم؟ أي عمالة أقرف بعد من تلك يا عمالة؟ ولماذا لا يشكل هؤلاء نقابة للعملاء في لبنان، علهم بذلك يستحقون “رسمياً” وعن جدارة تلك الصفة؟
هذه هي السلطة في لبنان التي يحكمها السلاح، والسلاح يحدد أولويات الكرامة والحجر والبشر في تلك الأرض المنكوبة، والحكومة تحني رأسها نزولاً الى قعر اللا ـ إنسانية واللا ـ كرامة، الى قمة الذل والعار والوحشية. سوريا تمتنع عن التصويت بحجة التدخل في شؤونها، لكن أن تخطف أحلى شبابنا وتخفيهم عمداً، وتذلهم في أقبية تعذيبها، وتمارس عليهم أسوأ أنواع التعذيب والتنكيل، هذا ليس تدخلاً في الشؤون اللبنانية، وليس جريمة ضد الإنسانية، وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً، لم يتجرأ مسؤول أو رئيس أن يسأل عن مصير هؤلاء، وكلما زارهم زائر من عندنا، يعود ببسمة الذل العريضة تلك، وبتلك المقولة “الكليشيه” معلناً، “لا مفقودين ولا أسرى للبنان في سوريا”.
“بقرف شديد وبغضب لا يوصف، ولا أجد صراحة الكلمة اللائقة بهم، لكن أقل ما يقال هو موقف معيب ومخزي ألا يصوّت لبنان على هذا القرار”، تقول وداد حلواني، رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان. “نستنكر بشدة هذا الموقف المعيب للدولة اللبنانية، لأن مش بس ما احترموا الشعب اللبناني، انما دعسوا على قلبو وعلى آلاف اللبنانيين المنتظرين الكشف عن مصير أبنائهم وأقاربهم. الدولة تنكّرت لكل هؤلاء، وأتعجب من موقف مندوبة لبنان في الامم المتحدة، ما هذه الشطارة وهذا التذاكي لتبرير الامتناع، أجازت لنفسها استعمال كلام لنايفة نجار، تلك الأم الجريحة التي انتحرت بسبب خطف ابنها، فاستعملت عباراتها ومن ثم ذرفت الدموع لتلقى التعاطف ولتغطي على جريمة الامتناع عن التصويت، لا يحق لها بذلك عيب، ولا يحق للدولة اللبنانية الرفض، هذا ملف إنساني بامتياز ونرفض تسييسه كما فعلت الحكومة، ويجب حلّه مع سوريا. لا تستعملوا معاناة الناس لتمرير صفقات سياسية، وكل من استنكر فعلة الدولة الشنيعة، عليه الا يكتفي بالاستنكار، إنما أن يترجم عملياً استنكاره. يجب أن نمارس ضغوطات فعلية على الحكومة والبرلمان لتطبيق القانون المتعلق بالأسرى والمخطوفين والمخفيين قسراً، وهذا ما سنفعله، هذا جرح مفتوح منذ أيام الحرب ويحتاج الى حلول عملية وليس مجرد استنكار من القيادات والسياسيين كافة، وأكرر لا تسيسوا معاناة الناس وطبقوا القوانين رأفة بهذا الألم الإنساني غير الموصوف”، تقول حلواني.
بلد شارل مالك وحقوق الانسان حوّل تلك الحقوق الى مزبلة يفوح منها عفن سلطة متواطئة جبانة متخاذلة. هي شحطة قلم، لو كُتبت صح، لكان قرار الكشف عن الأسرى والمفقودين اللبنانيين أصبح بعهدة الأمم المتحدة، لكن شحطة القلم اللبناني وقعت في القمامة بدل أن تصب على الورق، ومحت معها معاناة وصراخ وآلام شعب بكامله، فقط لاسترضاء السلطة العلية المحتلة.
“بكلمة لاء استغنينا عن أولادنا في سوريا لأجل رِجْل كرسي، خسرنا فرصة ذهبية كي لا يخسروا رضى والي الشام، ما هذا العار، ما هذا الانعدام بالأخلاق والحس الوطني”، يقول ريمون سويدان، الأسير السابق في أقبية بشار الاسد ورئيس مكتب الأسرى في حزب القوات اللبنانية. “هذه حكومة تتحدث عن المستقبل وهي تعيش في قعر الذل ورئيسها يتكلم عن المستقبل القريب، أي مستقبل هذا؟ في العام 2006 طلب منا كوفي أنان ورقة رسمية من الحكومة تطلب فيها الكشف عن مصير هؤلاء، فحملها الدكتور جعجع وتوجه بها الى الحكومة ونامت في أدراج التجاهل. لو صوتوا لكان الملف ذهب في اتجاه جديد كلياً مهما كان موقف بعض الدول العربية الأخرى التي تمنعت، فتلك لا أسرى ولا مفقودين لديها في سوريا، وكان على الحكومة أن تتصرف بحس المسؤولية وبإنسانية، لكنها فعلت عكس ذلك. يا لهذا العار ولهذه الفضيحة. لا أجد ما أصف به ما حصل في مجلس الامن، لا أجد”، يقول بغضب كبير سويدان، الذي كشف انهم كمعتقلين محررين، وبعدما كانوا تقدموا بشكوى الى النيابة العامة، يستعدون الآن لتحرك جديد في القريب العاجل، سيعلنون عن تفاصيله لاحقاً.
هذه بلاد شارل مالك التي كانت على أيامه موطن حقوق الإنسان، وصارت الآن بحكم الرعاع مزرعة لشريعة الغاب.
