

كتبت ألين الحاج في “المسيرة” – العدد 1742
أمام عجز النظام السياسي القائم على المركزية الإدارية عن ضبط إيقاع التوازن بين شرائح المجتمع اللبناني المختلفة، وبعد مضي سنوات من دون أيّ توافق سياسي على إقرار صيغة جديدة إنقاذية، أطلق حزب “القوات اللبنانية” مبادرة جدية تعبِّد الطريق أمام اللامركزية الإدارية، المنصوص عليها في وثيقة الوفاق الوطني، من خلال مشروع متكامل يهدف إلى تعزيز مفهومها لدى الرأي العام اللبناني وتذليل كافة العقبات أمامها بعد أن تحوّلت إلى مادة خلاف جديدة داخلياً.
ولهذه الغاية، أعدّت أجهزة الحزب المختصة، دراسات معمَّقة حول اللامركزية الادارية ونظمَّت محاضرات تعرِّف عن مزاياها وعن المشروع، عبر القنوات التقليدية ومواقع التواصل الاجتماعي، كما انبرى ممثلو تكتل “الجمهورية القوية” في الندوة البرلمانية إلى المطالبة بتطبيقها.
عام 2020، خلال ذكرى “شهداء المقاومة اللبنانية” قال رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع: “إذا أرادت الأطراف السياسية في لبنان مؤتمراً تأسيسياً جديداً فعليهم أن يعلموا أن محوره الأساسي سيكون اللامركزية الموسّعة”. وفي أكثر من مناسبة، أشار جعجع الى ضرورة تطبيق اللامركزية الموسّعة، كمدخل أساسي للحديث عن صيغة جديدة تنقذ لبنان من الانهيار الاقتصادي والسياسي.
لكن عوامل عديدة حالت دون إقرار اللامركزية الإدارية الموسّعة في لبنان منذ تم التداول بها حتى يومنا هذا، أبرزها الخلافات السياسية والطائفية العميقة ورغبة بعض المسؤولين في الحفاظ على السلطة المركزية، لتشكّل مخاوف البعض من الفيدرالية أو التقسيم، عاملاً اعتراضياً إضافياً أمامها.
لامركزية إدارية ومالية
وللغوص أكثر في رؤية “القوات اللبنانية” لنظام اللامركزية الإدارية، تواصلت “المسيرة” مع عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب جورج عقيص الذي أكد في البداية، أن اللامركزية المطروحة من قبل الحزب ليست إدارية فحسب بل “لامركزية موسّعة بقدر ما يحتاجه نظام الحكم في لبنان إلى قياس وإطار لها”، مطيحاً بمقولة أن “اتفاق الطائف لم يتحدث سوى عن اللامركزية الإدارية” حيث لفت إلى أن “لا إثبات خطياً عليه”.
وعن مفهوم “القوات اللبنانية” للامركزية الموسّعة، يوضح عقيض “أنها، أولاً، الإطار العام الإداري، الذي يجيز للسلطات المحلية إدارة شؤون الناس وتقديم الخدمات الأساسية لهم، ويتيح للمواطن، بالقدر ذاته، اختيار ممثليه المحليين ومراقبة أدائهم ومحاسبتهم بشكل دوري وبطريقة أفعل من الرقابة على أداء النواب لكونهم معنيين مباشرة بالخدمات الأساسية الممنوحة لهم”.
وإلى جانب الشق الإداري، اعتبر أن اللامركزية الموسّعة يجب أن تكون أيضاً “مالية وضريبية” وعنى بذلك “أن تتمكنّ البلديات أو اتحادات البلديات من احتجاز أو استبقاء جزء من الرسوم والضرائب التي يدفعها المواطن بشكل عام”.
خلل في العدالة الاجتماعية
ويكشف عقيص، عن خلل في العدالة الاجتماعية ناجم عن تطبيق المركزية الإدارية، مقدماً مثالاً عن ذلك “يدفع المواطن حالياً الرسوم والضرائب للخزينة المركزية التي تعيد توزيعها على كل البلديات بطريقة غير منصفة، باعتبار أن عدداً لا بأس به من السلطات المحلية يتخلّف عن الجباية، ما يعني أن بعض المواطنين يدفعون كل الضرائب والرسوم المتوجّبة عليهم، في حين يمتنع آخرون عن ذلك ويحصلون على الخدمات والأموال أسوة بمن يقومون بواجبهم”، موضحاً أن “عدم المساواة ولّد شعوراً بالغبن من جهة وحالات من الإثراء غير المشروع من جهة أخرى”.
ويضيف عقيص أن “القوات اللبنانية” تطمح إلى إرساء العدالة الاجتماعية المبنية على مبدأ أن “المواطن الذي يدفع ضرائبه وهو من يجب أن يستفيد من العائد منها، أي الخدمات التي تقدمها الدولة كشخص من أشخاص القانون العام، وهنا نتكلم عن البلديات التي تعود وتقدمها إلى المواطنين”.
ويختم قائلاً إن الأمر يستتبع بنظر القوات اللبنانية “ليس فقط مناقشة قانون اللامركزية ولكن أيضاً قانون جديد للبلديات”.
من جهته، يشرح رئيس جمعية “اس ام أي” Smart Municipality Academy المتخصصة في الشأن المحلي جان خشان أهمية تطبيق اللامركزية الإدارية في عمل المجالس المحلية أو البلديات “لكونها حلقة التواصل الأولى بين المواطن والإدارة بشكل عام”.
وفي حديث لـ”المسيرة”، يشير الى أن “البلديات لا تزال مكبّلة على رغم الصلاحيات المعطاة لها في القانون اللبناني”، مطالباً السلطة السياسية بالبحث سريعاً في نظام جديد خاص بها ليتكامل مع مفهوم اللامركزية.
خشان يطرح أربع ركائز أساسية تشكّل رافعة للوصول إلى مجالس محلية أكثر إنتاجية وفعالية في بيئتنا الحالية: الأولى تعنى “بالتوعية المجتمعية الكبيرة على دور البلديات الحقيقي”، حيث أفاد أن معظم المواطنين لا يملكون معرفة كافية بدور البلدية “والإعتقاد السائد لديهم أن المجالس البلدية عبارة عن مجالس تمثيل محلي للعائلات والأجباب داخل العائلات ولا يرتقي لدورها الحقيقي”.
الركيزة الثانية، تتعلق بـ”إعداد الأشخاص المرشحين لعضوية المجالس البلدية”، إذ تبيّن له من خلال دراسة بسيطة “أن أكثر من 90 في المئة من أعضاء المجالس البلدية المنتخبين غير ملمّين بصلاحياتهم كأعضاء ما يستوجب وتوعية وجهداً”.
الركيزة الثالثة، تلحظ قانون البلديات بحد ذاته “فالقانون أُقرّ العام 1977 وطرأت عليه بعض التعديلات الطفيفة منذ ذلك الوقت، ما يستدعي إعادة النظر فيه”، مقترحاً تقليص عدد البلديات كونه كبيراً نسبة إلى بلد صغير جغرافياً ما يمنع المجلس المحلي من لعب دوره على أكمل وجه “بموازنات ضئيلة”، وتعديل ولاية المجلس البلدي لأقل من ست سنوات. كذلك لفت خشان إلى الأصوات المطالبة بكوتا نسائية داخل المجالس البلدية وغيرها من إشكاليات.
وتعرض الركيزة الرابعة على الدولة الدفع بالمجالس البلدية لمواكبة العصر “عبر آليات وتقنيات جديدة مثل التحوّل الرقمي الذي بات أمراً أساسياً لحق الوصول إلى المعلومات، وبالتالي تعزيز الشفافية التي يجدر تطبيقها على المستوى البلدي”.
يتابع خشان قائلاً: “تكمن أهمية المجالس المحلية في أن السلطات التي تديرها لا يمكن تعيينها من قبل السلطة المركزية أي القائمقام والمحافط بل ينتجها المواطنون الذين ينتمون إليها انتخابياً”.
اللامركزية في الطائف
اتفاق الطائف الموقَّع عام 1989 تطرّق في أحد بنوده إلى اللامركزية الإدارية، حيث نصت الفقرة الأولى منه على أن “الدولة اللبنانية دولة واحدة موحدة ذات سلطة مركزية قوية”، وجاء في الثانية “توسيع صلاحيات المحافظين والقائمقامين وتمثيل جميع إدارات الدولة في المناطق الإدارية على أعلى مستوى ممكن تسهيلاً لخدمة المواطنين وتلبية لحاجاتهم محلياً”، والثالثة «إعادة النظر في التقسيم الإداري بما يؤمّن الانصهار الوطني وضمن الحفاظ على العيش المشترك ووحدة الأرض والشعب والمؤسسات”.
أما الفقرة الرابعة فتحدثت عن “اعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون) عن طريق انتخاب مجلس لكل قضاء يرئسه القائمقام، تأميناً للمشاركة المحلية، وفي الفقرة الخامسة، اعتماد خطة إنمائية موحدة شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها اقتصادياً واجتماعياً وتعزيز موارد البلديات والبلديات الموحدة والاتحادات البلدية بالإمكانات المالية اللازمة”.
الجدير ذكره أن اللامركزية الموسّعة تُعتبر أداةً فعالة في المجتمعات المحلية، حيث أنها تتيح لسكان المناطق ذات الصلة أفضليةً في تحديد قضاياهم، كما توفر لهم فرصًا أفضل للمساهمة في عملية صنع القرار وإدارة الشؤون الحيوية في منطقتهم، ما يعزز الابتكار والإبداع في عملية التطوير. أضف إلى ذلك مدى أهميتها في أن تكون مصدراً للتفاهم والتعاون بين المناطق المختلفة في لبنان.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]