

لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، يستذكر موقع “القوات اللبنانية” حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية، كتحية وفاء لمن توج نضاله بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.
إنه الابن الحبيب، الإبن الأمل، الطبيب المقاتل المقدام. إنّه ابن ورمز لطبيب مقاوم شهيد!
يا حكاية وطن لن يرتفع له كيان ويُكتب فيه خلود إلاّ بحكاية هكذا كميل. يا عيادة طبيب متغرّب إلى رسالته الطبيّة زار بلاده فعاينها مفتوحة على الجراح، فلم يجد في جميع مجالاته الاستشفائية وصفة شافيّة لأرض أهله إلاّ انتقاله من اختصاصه التطبيبي إلى مواقع الاختصاص ببذل الدم والروح!
لبنان يا ميراث الرب الأبدي لأمانات الآباء والأجداد، كيف تصاب بأثقال صلبانك فيوافيك إلى مصابك الوجوديّ المبرّح طبيب رحميّ عيناتيّ، استبدل لأجلك سمّاعة الأطباء الدقيقة السمع ببندقية تتلاحم أصوات رصاصاتها بصوت نبض قلوب المقاومين المقاتلين الأشدّاء!
كيف يا بعض شعبنا الآثم الأثيم، تصاب بداء صرع الضمير وبوباء أخلاقي عقائديّ يطق فيك شلوش حيائك ويدمّر خلايا ذاكرتك، فتتفشى فيك ملاريا حقدك على أبطالك وشهدائك، يا مربى ملاجئ هرب إليها أمثالك، خصيان رجولة الشجاعة والكرامة والعنفوان، فأشهرت سفاهة وسفالة كرهك الدفين على من صانوا وحموا أرضك وعرضك بمستوى كره الثعالب وأبناء آوى لفصائل النمور والفهود والأسود، فتزوّرت بهوية إقامة لا تستحق الإقامة إلاّ في ميتم أو مأتم!
يوسف ومريم عبود رحمة والد ووالدة عيناتيّة متحدّرة من أطياب ميرون وبخور ولبان عيناتا، عروسة ضيع أرز الرب، ومتأصّلة أكتاف العزّة ببواريد الفرسان المنذورين للبنان. نذر يوسف العائلة ومريمها أن يربيّا عائلتهما بنهج وروح وأنفاس عائلة يوسف ومريم في ناصرة الجليل، تربيّةً مبدؤها تقدمة الأبناء لهيكل الرب ثمّ لوطن أرز الرب، كما تربّي جميع عائلات ذلك العرين الجبليّ الشمالي المسوّر بعواصف الأرواح المتمردة وغيوم ثلوج الينابيع والنسّافات الثلجية، وبكوفيات رجال النخوة والشهامة والضيافة وحكايات معارك وادي النسور، ولأهل عيناتا الأرز ملجأ واحد وحيد يلوذون إليه في أفراحهم وضيقاتهم وملجأهم الدائم، أم سماوية ينشدون لها ليل نهار: ” أنت ملجانا وعليك رجانا”!
كميل، بكر عائلة يوسف ومريم عبود رحمة، نمى بقامة وفئة دم أهله الرحميين اللتين لا تتطابقان إلاّ مع قامة وفئة دم لبنان، ثمّ تفوّق بعقل غزير الذكاء يقظ الوعي طموح للتنقيب عن ينابيع الفكر والعلم والثقافة، فاكتشف كثيراً منها وتفوّق، فألهمه علم عنفوانه أن يسلك درب أرزة علم بلاده منتسباً إلى ثالوث شرف وتضحيّة ووفاء، يرادفون ثالوث الحرية والسيادة، فتقدّم الفتى الأبيّ لخوض امتحانات دخول المدرسة الحربية حيث أجاد الأجوبة عن جميع أسئلة المسابقات العلمية والنفسية والطبية والرياضية، وعاد إلى أهله ينتظر نتيجة ما تفوّق به مؤمناً بأنّ نجاحه سيكون أغلى هديّة يقدمها لوالدين وأخوة وعائلة وبلدة هم نعمة الربّ المعطاة له.
النتيجة المرجوة وصلت إلى بيته في يوم كان غائباً عنه، فتسلمتها الوالدة ببشارة نجاح رجوتها، نجاحاً تصدّر المراتب الأولى!
أم كميل تقية الروح نقية القلب صافيّة الذّهن، أتتها إشارة من قلبها الأموميّ ألهمتها إخفاء نتيجة النجاح المتفوّق عن ابنها المنتظر نتيجته ومصيره، فقد كان الزمن زمن سبعينات القرن العشرين، وعلامات تلك الأيام المضطربة الملتبسة تنذر بقدوم رياح غريبة عاتيّة ستلفّ الوطن المستباح المتروك لأقداره السوداء وتلطمه من أقصاه إلى أقصاه، تصدّع وتنتهك معظم مؤسسات الدولة اللبنانية بما فيها المؤسسة العسكرية، فتضرعت مريم أم كميل لمريم أم يسوع من خلال سيدة بشوات، فأشارت عليها السيدة البشواتية بإدخال بكرها إلى جامعة يعتنق فيها علوم أسمى النذور العلمية الإنسانية داخل كليّات الطبّ حيث يخوض جنود الرداء الأبيض أشرس معاركهم مع مختلف الأمراض والأوبئة التي تقتحم صحة البشرية وحياتها، فأخذت الحنونة الشجاعة قرارها بإرسال الغالي إلى إحدى جامعات الطبّ الفرنسيّة راصدة لسفرته وجامعته رصيداً مالياً جمعته الأم الحكيمة الأبيّة من عرق جبين وكرامة العائلة وأرزاقها، فلم يهن على الكميل البار كسر خاطر أمه ومشتهاها أن تراه “حكيم قد الدني”، فراسل عدة جامعات طبيّة فرنسيّة رحبّت جميعها به وبعلاماته المدرسية المميزة. ودّع أهله وعيناتته وسافر إلى طموحه الكبير بأن يعود ملبياً آمال الأهل والضيعة بطبيب ذائع صيت النجاح من بلاد الأرز، وفي جامعته الفرنسية تصدّر نتائج امتحاناتها صفاً صفاً وفصلاً فصلاً وسنةً سنة!
الأحد الأسود 13 نيسان 1975 المعروف بأحد “بوسطة عين الرمانة”، صدق إحساس قلب أم كميل، وابتدأت الحرب على لبنان بجولات من النار والدمار والموت، فعاش ضناها تلميذ الطبّ مأساة وطنه وأهله وشعبه، كما عاشها ابن موطنه البشراوي جبران خليل جبران الصارخ الملتاع، “يا بني أمي في ظلام الليل أناديكم”… وكم تمنّى كميل رحمة وعيناتا، أن ينتقل من صفوف الطبّ الفرنسية ليكون إلى جانب أهله مقاوماً مقاتلاً في كل جبهة يقاومون فيها ويستبسلون!
أوائل صيف العام 1976 وفور نهاية عامه الجامعي، خطّط الابن المشتاق لزيارة يفاجئ فيها أهله من دون أن يعلمهم أو يخبرهم بمجيئه، فسافر من مطار باريس إلى مطار قبرص، ومن مرفأ لارنكا إلى مرفأ جونية، حيث لاقته أخبار وأهوال وفظائع تلك الهجمات النيرونية التيمورلنكية المملوكية على بلدة شكا البحرية البترونية فجر ذاك الأثنين الكالح في 5 تموز من العام 1976!
وسط ساحة جونية تلاقى العائد برفاق مقاتلين يحتشدون بملابس الميدان مدجّجين بالبطولة وسلاح الدفاع عن الأرض والعرض، يتأهّبون للذهاب شمالاً حيث عويل الأمهات والفتيات الشكاويات والرضّع والأطفال الشكاويين يتصاعد!
طلب كميل من رفاقه بندقيّةً وبدلةً زيتيّةً واستودع حقيبة سفره داخل بيت أحد معارفه وصعد إلى مركبة عسكريّة سارت برجال الشرف والتضحية والفداء إلى ساحات الزّود عن الوجود، حيث طُلب من مجموعة كميل مواصلة الطريق إلى منطقة الكورة حيث تدور أشرس معارك تحريرها كلياً من خليط الغربان والضباع وفتح طرقاتها بسرعة قصوى لهدف فكفكة أنياب الوحوش عن شكا المنهوشة المذبوحة!
عند مداخل بلدة بيت رومين المعروفة ذلك الزمان بـ”petite moskow”، تمركزت فرقة كميل رحمة التي بدأت فوراً القيام بهجمات معاكسة خاطفة تعيد الأنفاس اللبنانية النقية إلى روايا كورة الزيتون والعلماء والنوابغ. وخلال أحد الاقتحامات، غدرت شظيّة غريبة سفّاحة قاتلة بتلميذ جامعة فرنسا الطبيّة وفتى فتيان بلدة جبل أرز الرب ووادي النسور، فحلّقت روحه القدسيّة إلى جبال قرنة سوهده (قمة الشهداء)، ومنها إلى جرود عيناتا السماوية، روح طبيب مقاوم شهيد سكب دماءه دواءً يشفي شعبه من الهزيمة والانكسار والذل الكبير!
يا بو كميل وأم كميل، راجع كميل. حتّى مريم أم يسوع المفجوعة عند أقدام صليب يسوعها تهيّبت إعلام مريم أم كميل بأنّ كميلها عائد إليها شهيداً يرتدي جسده المضرّج بالشرف الأقدس، يرتديه نعشاً أبيض، مساحته مساحة وطن لم تحقّق وعود مواعيد أعياد قيامته إلاّ نعوش الشهداء عروش الأرض والسماء.
عند مدخل عرين ربوات من أبطال وشهداء رحميين عيناتيين، رفعت عيناتا عرش كميلها الابن الحبيب الطبيب المقاوم المقاتل الشهيد، تواكبه تهاليل الأجراس وزغردات الأمهات والصبايا وحداء وحوربات الزّلم الميامين الذين لا يتزلّمون إلاّ للرب ولأرز الرب ولبنان!
دخل طوباوي معركة حرية الكورة الخضراء، كنيسة عيناتا الرعائية، فتأهبّ القديسان الشفيعان الشهيدان سركيس وباخوس ورفعا رمحيهما يحييان تحيّةً عسكريّة رفيقهما الكميل الطبيب المقاوم الشهيد!
كميل يوسف رحمة
من تموز 1976 إلى تموز 2023 إلى آخر تموز من سنين الرب أنت وطني لبنان. أنت شعبيّ شعب لبنان. أنت كرامتي وحريتي وسيادتي واستقلالي وأنت مزمور مزامير أهلك الرحميين العيناتيين :ليحيا لبنان!