
كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1742
5 تموز 1976: “الأقدام الهمجية” تجتاح شكا
…وقُرعت أجراس الكنائس
“البيتُ لنا والقدسُ لنا وبأيدينا سنعيدُ بهاءَ القدسِ”… و”ستمحو يا نهر الأردن آثار القدمِ الهمجية”.
على الإيقاع “الجهاديّ” لهاتين الردَّتينِ من همروجة “زهرة المدائن” توكَّلت جحافلُ دويلة “فتح لاند” وانطلقت في طريقها “الأبي أياديّ” لدحرِ العدوِ الغاشم واختراق خطوطه وتحصيناتِه ورميِه في البحرِ رَميَ عندليب إذاعة صوت العرب لطائرات الصهاينة في مياه البحر الأحمر أيام حرب 6 حزيران 1967. لكنَّ تشكيلات فصائل الأجلاف الأبي أياديين لم تتكبَّد عناء ومشقاتِ الوصول إلى بوّابةِ الناقورة ومنها إلى إصبعِ الجليلِ وبنصرِ مستعمرة كريات شمونة وكواحلِ القدس بشرقها وغربها ومنها إلى بقرِ بطن تل أبيب وصولاً إلى هزهزةِ خصر يافا وحيفا، وما بعد بعدهما. فقد تثنَّى للقبائل التحريريةِ مباغتةِ ومداهمةِ عساكر العبرانيين داخل أحياء ومنازل الانعزاليين الرجعيين سكان بلدة شكا البترونية، أهل الأمان والسلام والرزق الحلال من معامل ومصانع الإسمنت والإترنيت، ومن شواطئ وقوارب صيادي السّمك، ثم امتدت حدود تلك الغزوةِ التموزية اللهّابةِ بكامل وحشيتها وتوحُّشها حتى مدخل النفق القديم وجبل دير سيدة النورية، وهناك دارت معارك العودة إلى فلسطين بحضاريَّةٍ وأخلاقيَّةٍ تتفوَّق بمرّات ومرّات على حضارة وأخلاق غزوات فيالق هولاكو وجانكيزخان وتيمورلنك والسفّاح المملوكيّ قلاوون …
حتى منتهى أزمنة ضمائر الإنسانيةِ وخاتمة ذاكرات البشرية، وبديلاً عن نهر الأردن أنَّكَ يا بحر شكا الأحقُ سماويًا وأرضيًا أن تشهدَ على آثار تلك “الأقدامٍ الهمجية”!
شكا… القربان الناري
الثالثةُ من فجر الإثنين 5 تموز 1976 كانت ساعة رفعِ وارتفاع شكا قربانًا ناريًا مداه زرقةُ البحر التموزيّ وزرقةُ السماء التموزيةِ، وذبيحةً لمذبحٍ قائم المساحة والمسافةِ بينَ حدَّي مسيحانيّةٍ لبنانيَّةٍ ومسيحانيَّةٍ شرقيّةٍ تتقاسمان مساحات أوطان الجلجلة وتسيرانِ مسافاتِ المنذورينَ لمواسم الصَّلبِ والمُتقدمينَ إلى صلبانٍ لا ينكفئُ حاملوها ولا ينهزمون لأجل أن تثبُتَ وتتثبَّتَ في أعناقهم أمانات أعياد القيامة!
الساعة الثالثة فجر 5 تموز من ذلك الإثنين الأسود، أطلقت قيادة أولئكَ الجحيميين صافرةَ انطلاق الرُّعاعِ لالتهام فريستهم الشكّاويّةِ، فزحفوا مُدجَّجين بغرائز الحرق والتدمير والاغتصاب والتقطيع والسبي والسَّحلِ والإبادة، ومُدعَّمين ومُدرَّعين ومُجهَّزين بعديد وعتاد خليطٍ نيرونيٍّ ساديٍّ قوامُه فصائل فلسطينيَّة تختلطُ بِفِرَقِ هجّانةٍ بلديَّةٍ يؤلِّفها منشقَّو جيش لبنان العربي ومعسكرات حركة 24 تشرين ومنظمة “جند الله” وتركيبة أحزاب السوري القومي والشيوعي والبعثي والناصري… وهدفُ أهداف أولئك الضوارير تحرير شكا الآمنة الهانئة من بيوتِها وأرزاقها وحضارة احتضان أهلها لكلِّ ساكنٍ فيها، وكأنَّ كنائسها هي كنائس المهد والقيامةِ، وكأنَّ مساجدها هي المسجدُ الأقصى!
فوهات مدافع وراجمات أراكين الجحيم كانت أفواه وأشداق حيتانٍ وتماسيح التهمت معظم البيوت والأحياء الشكّاويةِ، وفوهات بنادق السفّاحين فعلت بالعُزَّلِ المسالمين ما تفعله أنياب الثعابين بكل ضحيَّةٍ تطالها أنيابها، وبعدها توالت صيحات أحفاد إبليس تفتِكُ وتُفتِّتُ أعصابَ الأمهات والفتياتِ والأطفال. وبحلول ظهيرة ذلك النهار المُخضَّبِ الشمس بتوهُّجِ دماء الذبائح البشرية الشكاوية والشاهد المُندهِش من نوعية استبسال مقاومين قلائل يقاتلون ويصمدون في قتالٍ وصمودٍ إسبارطيٍّ من مترٍ إلى متر، من زاويةٍ إلى زاويةٍ، من بيتٍ إلى بيت، ومن حيٍّ إلى حيّ. وملائكة الرب تبكي على ما يجري من فظائع ومُنكراتٍ لن تنساها ذاكرة المصلوب حتى يوم القيامة، ولن تتناساها ذاكرة الوطن المضياف حتى يوم الغفران العظيم!
بعد مقاومةٍ أشبه بمقاومة المصلوب على كامل مساحة خشبة الصليب، تمكَّنت الفصائلُ المسلّحة من تطويق شكا الذبيحة من أربعِ محاور: كفرحزير شكا شرقًا، أنفة شكا شمالاً، كفريا راس نحاس شكا جنوبًا، أعقبتها بإنزالاتٍ بحريّةٍ بين شاطئ الهري ومدخل نفق شكا القديم، حيث تم اصطياد عشرات العُزَّلِ الهاربين صيادي أسراب بلابل تُغرِّدُ بإيقاع النواح والعويل!
…وقُرعت أجراس الكنائس
وصلت أنباء تلك الأهوال إلى جميع مناطق لبنان والجوار والعالم، وفي جبل قاديشا الجنوبي لناحية جبة بشري والشمالي لناحية إهدن وزغرتا وبلاد الزاوية قُرِعت أجراس الكنائس وهبط مئات الرجال والفتيان بروح وملامح أجدادهم مقاتلي الجراجمة والمُقدَّمين مُدعومين بزغردات أمهاتٍ وزوجاتٍ وأخواتٍ وصبايا، يتقدَّمون رجال العز والكرامة بتراتيل لأم الرحمة والمعونةِ كي تتشفع بأحفاد إبنها المُعلَّق فوق جلجلة الشرق والغرب، حتى وصلَت طلائع الرجال القاديشيين إلى بلدة عين عكرين حيث المركز الرئيسي لقيادة معركة تحرير الكورة، ومن زغرتا الزاوية وبلدات القضاء لاقاهم المُقاتلون إلى بلدة بصرما، ليتم التلاقي لتحرير كورة الزيتون والعلم والعلماء من سحناتِ أغراب الإنتماء والعقيدة!
معركة الكورة شكا هي بالفعل والقول والإيمان معركة المقاومة اللبنانية من كل مناطقها وأحزابها وشعبها، فكان طابعها الشعبي والأهلي العفوي أعلى رتبةً من طابعها الحزبي. فمن العاصية الكحالة وسائر قرى قضاء عاليه أتوا، من المتنين أتوا، من كسروان أتوا، من العاقورة وسائر وسط وساحل جرد جبيل أتوا، ومن تنورين وسائر جرد ووسط وساحل البترون أتوا، ومن ألوية عكار أتوا، ومن بلاد عيناتا ودير الأحمر أتوا، ومن بلدات الكورة المحرّرة احتشدوا، فكانت أيام 5 و6 و7 و8 و9 و10 تموز 1976 كيوم فرسان جبل لبنان الذين هبطوا من جبالهم وحوربوا بقيادة ثلاثين من نخبة مقدِّميهم وسحقوا مئة ألفٍ من جحافل المماليك عند مثلث جسر الفيدار ـ جبيل وادي حربا!!
يا نوريّة
إدمون صهيون المسؤول العسكري لكتيبة كفرعبيدا المعروفة بالإقدام وشدة البأس والجهوزية الدائمة، جمع رجاله في ساحة كنيسة مار سركيس وباخوس الرعائية ليستنخب منهم 14 مغوارًا مُكلَّفين بمهمةٍ شبه مستحيلةٍ تمتزجُ بين الانتحار والإعجاز، قد يعودون منها أحياء، وقد يعود نصفهم أو ربعهم، أو قد لا يعود أحدٌ منهم…
تمام الساعة الرابعة من فجر الثلاثاء كان أبطال كفرعبيدا الأربعة عشر يجترحون معجزة تسلُّقِ جبل رأس الشقعة بواسطة الحبال وجذوع وأغصان النباتات. ولحظة وصولهم إلى قمة الجبل قبالة دير سيدة النوريّة وبصوتٍ يجمع جميع أجراس لبنان والشرق صرخوا: “يا نوريّة”.
صرخة أولئك البواسل الكفرعبيدانيين فاجأت خليط السفاحين وباغتتهم من حيث لم يكونوا يتوقَّعون وصولها، فاندحروا مرتعبين متضعضعين يلطم بعضهم بعضًا، فانفتحت أول مفارق تحرير شكا ونجت مناطق البترون من احتمال مجازر جديدة!
طوني فهد جعجع
أما أيقونة معركة تحرير الكورة الخضراء وفتاها، فتًى بشرّاوي بالكاد وصل إلى عمر ربيعه الخامسة عشر، ففتىً ينتقل من الطفولة إلى الرجولة حاملاً بندقية مُعدَّلة أطول منه يرافق مفوض القوى النظامية لإقليم الجبة بشري الكتائبي الشيف سمير جعجع، هذا القائد العشريني الاستثنائي الذي كان يتولى قيادة مقاتلي كتائب أقاليم الجبة بشري والكورة القويطع وزغرتا الزاوية عند الجبهة الرئيسية قبالة سرايا أميون القديمة مساهمًا رئيسيًا في حسم معركة تحرير أميون ثم كفرحزير لفتح الطريق إلى شكا!
طوني فهد جعجع كان كشهاب النار يقفز على صخور تلك الجبهة من صخرةٍ إلى صخرةٍ، مكشوف الجسد الطري وكأنَّ الموت لعبةً من ألعابه، والشيف سمير يترجّاه طالبًا منه الانتباه وحماية رأسه، وكان إبن الفهد يُجيب قائده ورفاقه الخائفين عليه بلهجته البشراوية: “البشراني ما بيوطِّي راسو”. وبقي ربيب الأرواح المتمردة يقفزُ كالريح من مكانٍ إلى مكان إلى أن غدرته رصاصة “دوشكا” أصابت جبين فتى فتيان أرز الرب، فسحبه رفاقُه ليلاً بين أشجار الزيتون ورأسه فوار دماء حتى وصلوا به إلى بلدة كفرعقا، وهناك حلَّقت روحه الملائكية إلى جبل الأرز السماوي، ليكون المقاوم طوني فهد جعجع ابن الخامسة عشرة أصغر مُقاومي وشهداء المقاومة اللبنانية!
شكا تموز 1976 هي ديّانة الذاكرات المُبرمجة الانتقائية السجينة، سجينة تاريخ واحدٍ ومكان واحد ومنطقةٍ واحدة وفئةٍ بشريّة واحدة، كمجازر صبرا وشاتيلا مع كل بشاعات وأهوال ما حدث في صبرا وشاتيلا!
شكا تموز 1976 هي ديَّانة جميع مُرتكبي المجازر والمذابح في جميع أنحاء المعمورة وقارات الأرض من عهد أول قايينٍ حتى عهد آخر قايينٍ على هذه الأرض يقتل أخاه في الإنسانية كأنَّه يعدم الإنسانية جمعاء!
شكا تموز 2023 هي قدسية مناداة جميع أبناء الوطن اللبناني كي يتلاقوا ويختموا جراح بعضهم البعض، ويمسحوا دموع بعضهم البعض، ويعزّوا بعضهم البعض، ويُعمِّروا ما تخرَّب عند بعضهم البعض. ولكي يتلاقوا في فعل غفرانٍ شاملٍ تاريخيٍّ، غفرانٌ ليس فيه شيء من المداهنة والمسايرة والخباثة والرياء، يومها نكون جميعنا أبناء الرب بالحرية والكرامة والأخوّة، ويومها نكون كلنا للوطن للعلى العلم!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
