.jpg)
معلومة أوّلية: الميثاق الوطني في العام 1943 ركّز على تفاهم أساسيّ هو “اللبننة”، بمعنى أنّ المسيحيّين يتخلّون عن مطلب حماية فرنسا لهم، في مقابل توقّف المسلمين عن المطالبة بانضمام لبنان الى سوريا. وهذا يحدّد، تماماً، مفهوم الحياد الذي جعل لبنان يمرّ بمراحل ذهبيّة من الإستقرار والرفاه.
مقدّمة : لقد سمعنا، ولا نزال نسمع أنّ الحياد علّة، وهو خبز المسحوقين، وأداءٌ إسعافيٌّ لرتق الخروق على مستوى تنهيض قضية الحقّ في البقاء. ما يعني أنّ المناداة بالتّحييد، هي لغة المأزومين، غير العابئين بكرامتهم، ليتركوا أنفسهم تساق الى مقصلة القبول، وبدون دموع.
إشكاليّةٌ مفيدة:
لقد تعدّدت الإجتهادات التي عالجت مسألة الحياد، واتّخذ المجتهدون منها، مواقف متباينةً، انطلاقاً من المصلحة الضيّقة، ومن إمكانية توظيف هذه المسألة، في ترجيح موقف سياسيّ مقابل موقف آخر. حتى إنّ البعض اعتبر أنّ الحياد يناقض الوطنية والقومية، فوصف منْ ينادي به بالخائن والعميل.
في البداية، لا بدّ من طرح الأسئلة الإلزاميّة التالية: ما هو الحياد، أو كما يطلق عليه تسمية الحياد الإيجابيّ؟ وهل يتنافى، عملياً، مع الثوابت الوطنية والقومية؟ وهل يمكن توظيفه في خدمة الإستقرار؟
إطار البحث: إنّ الحياد، لغةً، هو عدم التحيز. وفي السياسة، هو تبنّي الدولة موقفاً يبعدها عن التكتّلات، بمعنى الرّغبة في النّأي عن النّزاعات، أيّاً تكنْ. ويمكن للحياد، بالتالي، تجنيب الشعب، والأرض، مختلف الإحتمالات السلبيّة النّاجمة عن الصّراعات المسلحة، على وجه الخصوص .أمّا الحياد الإيجابيّ، فهو نظامٌ قانونيٌّ يسعى الى إيجاد قاعدة ارتكاز تحقّق التوازن، من خلال عدم الانزلاق في حدة الصّراع بين كتلتين، بما يؤدّي الى إبعاد شبح الحرب، نهائياً عن الوطن، وجعله واحة سلام منيعةً، تسعى الى التقدّم السّلميّ. إنّ البقاء خارج دائرة الصّراعات، هو حقٌ، ومن خصائص سيادة الدّولة، لا بل يشكّل إحدى الوسائل الهادفة الى حماية الإستقلال الوطنيّ، وتحصينه .
لقد نشأت فكرة الحياد الإيجابيّ، كظاهرة سياسية، بعد أن كابد العالم محنة الحرب العالمية الثانية، ودخل في مرحلة الحرب الباردة، لا سيّما بين القوتين العظمتين: الولايات المتّحدة الأميركية، والإتّحاد السّوفياتي. وقد ساد جوٌّ عامٌ في العلاقات الدولية، أنتج إمكانيةً يحقّ للدّول اللّجوء إليها، في حال نشوب نزاع مسلّح قد لا يعنيها، مباشرةً. وكانت الدّول الإفريقية والآسيوية أكثر الدّعاة إليها، بعد أن تحولت، هذه، الى دمية تحرّكها الدّول القويّة، أو المحاور، في صراعاتها المتنوّعة، وذلك لتحمي نفسها من شرور الصّراع. وكان من مبادئ الحياد الإيجابيّ، عدم المشاركة في الأحلاف العسكرية، وعدم الإنحياز الى طرف من أطرافها، وكذلك، التعاون لإيجاد حلول للأزمات، من خلال القوانين الدولية .وهكذا، اعتبرت سياسة الحياد إيجابيةً، لأنّها تسعى، ضمناً، الى إيجاد مبادرات لتعزيز السّلام، ولتخفيف التوتّر.
لكنّ الحياد لا يعني، إطلاقاً، اللّامبالاة في القضايا التي لها صلةٌ بالوعي الإجتماعيّ الإنسانيّ، فلا يمكن للواحد من النّاس، أن يقف، حيادياً، بين الخير والشرّ، أو بين الحرب والسّلم، أو بين العدالة والظّلم، أي أنّ الحياد لا يعني، بتاتاً، المساواة بين الجلّاد وضحاياه. من هنا، فسياسة الحياد لا يمكن أن يفهم منها أنّ الدّول التي تتبنّاها، تسعى الى تجريد ذاتها من إمكانيّات اتّخاذ موقف، فالحياد لا يلزم الصمت عمّا يجري، في العالم، من ابتعاد عن القيم، وطعن لحقوق الإنسان، بل على عكس ذلك، تحتفظ الدّول بحرية الحركة، وزيادة فاعليّتها، في إنكار سياسة الإعتداء، وفي مواجهة الميل الى السّيطرة على الشعوب المغلوبة على أمرها، وفي العمل على نصرتها في سعيها الى حريّتها. لذلك، لا حياد، أبداً، بين التحرّر والتبعيّة، بين القضايا المحقّة وبين الإستعمار والإستغلال. فالحياد الإيجابيّ يعني، في هذا المجال، احترام الإستقلال السياسيّ لكلّ دولة ، ومراعاة مبدأ عدم التدخل في شؤونها الدّاخلية، وتمتّعًها بحق اختيار النظام الملائم والصّالح لها. على هذا، يمكن اعتبار الحياد تصرّفاً قانونياً تمليه المصلحة الوطنية، ويعزّز التعايش السّلميّ، في الدّاخل، ومع الجوار، ويلزم، حتماً، احترام السّيادة التّرابية للدولة المحايدة، ما يشكّل ضماناً أمنيّاً يسمح لها بالتنمية، في المجالات كافةً .
أمّا في ما يرتبط بقضايا الأمّة، وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني، فالحياد لا يعني، أبداً، التنكر لها، ولأحقية الفلسطينيين في استرجاع أرضهم السليب. وقد تحمل لبنان، وحده، ومن دون أكثر البلدان العربية الأخرى ، وزْر القضية، ودفع الثمن الباهظ، على مستوى استقراره، وسيادته، ونموّه، وتراجيديا أمنه واستقلاله. ولمّا لم يكن للعرب موقفٌ موحدٌ من قضية فلسطين، على الصّعيد العملي، وإنْ كان التنظير الإنشائيّ واحداً يتكرر برتابة، لذلك ، فما يجمع عليه العرب، نحمل رايته، ونشكّل رأس رمح في إعلانه.
وما تختلف فيه الأمة العربية، نلتزم معه الحياد والنأي بنفسنا عن الولوج معه في سياسة المحاور. في هذا الصدد، حاول البعض المزايدة العقيمة، باعتبار مصطلح الحياد الإيجابيّ بدعةً و فكراً هجيناً، فلا حياد في الصّراع العربيّ الإسرائيليّ. من حيث الشّكل، نحن نؤيّد ما ذهب إليه هذا البعض، أمّا في الواقع، فإنّ هذا البعض نفسه، يشترك في مفاوضات معلنة أو بالواسطة، مع ” العدوّ” الإسرائيلي، ما ينزع عن مواقفه صفة المصداقية، وبالتالي القبول بها، أيّاً يكن التبرير. إنّ ما حصل، ويحصل، هو الزجّ بلبنان، وحيداً، في ما يسمّى الصّراع القوميّ، فلم يتحملْ سواه تبعاته، وهذا مرفوضٌ تماماً، ومرفوضٌ، أيضاً، تحويل وطننا ساحةً وحيدةً لتصفية هذا الصّراع، من جهة، وتصفية الحسابات العربية والإقليمية، من جهة ثانية. من هنا، فالمطالبة بالحياد، إزاء استمرار المؤامرة على لبنان، من قبل بعض البلديّين، وبعض الإقليميّين المعروفين، هي الحال المفيدة التي تمنع إسرئيل من مهاجمة لبنان، فتوفّر على الوطن مزيداً من الخسائر المرهقة، على مستويي الحجر والبشر، وتحمي الكيان والنّظام .
إنّ الحياد الإيجابي يحصّن لبنان خارجياً، ويمنع التدخّلات والإعتداءات، وينعكس، في الدّاخل، استقراراً يحفظ صيغة العيش المشترك، ويضع حدّاً لميل الأفرقاء الى مدّ اليد للإستعانة بالخارج، لتعزيز وضعهم على مستوى الإستقواء والسّيطرة على السّلطة، واستجرار انتداب جديد، أين منه الإنتدابات القديمة. أوليس من الأفضل، والأجدى، والأنفع، أن تحل المنافسة بين شرائح النسيج الوطنيّ في المجال التنمويّ البحت، والعمل على إنهاض الوطن من كبوته الذي رماه في قعرها الذين أخذوه الى سياسة المحاور، وذلك ما يجعل المواطن يستعيد الثقة بوطنه مجالاً رحباً آمناً، لتحقيق ذاته، ومستقبل الأجيال .