
ليس عادياً أن يُذكر لبنان في الكتاب المقدس عشرات المرّات. فحتى عندما نظر موسى إلى جباله الشاهقة، قال الله له “أغمض عينيك. هذا الجبل هو وقف لي. لن تطأه قدماك لا أنت ولا الذي سيأتي من بعدك”.
لم يستسلم لبنان لليأس يوماً، على الرغم من الجلجلة التي عاشها منذ نشأته وحتى اليوم. هذا البلد مجبول بالتاريخ، وهذه الأرض حُبلى بالشهادة، وهذا اللبناني مقاوم طوال امتداد التاريخ. من شهداء نهر العاصي وصولاً إلى بشير الجميّل الذي استمد قوته من إخلاصه لشعبه وبلده فأحبهما حتى الاستشهاد، وصولاً إلى آلاف الشهداء الذين دافعوا بسلاحهم ومسابحهم عن وجود حرّ وكيان وطني مستقل وسط غياهب هذا الشرق المظلم والتعيس.
“هذه القطعة من السماء” كانت فسحة الأمل والرسالة للعالم أجمع، كما كانت الصخرة التي بنى عليها بطرس كنيسة الرب ومعقل المقاومة المسيحية. ذخائر المقاومة حملتها القوات اللبنانية وخاضت معارك الوجود دفاعاً عن لبنان في زمن الحرب، ولا تزال في خط الدفاع الأول في هذا الزمن الرديء.
لا خوف على وجود لبنان طالما لا تزال القوات اللبنانية رأس الحربة وخطه الأحمر. بـ19 نائباً في البرلمان، لا تبدلهم ريح ولا تغيّرهم ظروف… كالأرز ثابتون، يدافعون عن كرامة شعب. أنقياء يمارسون السياسة بشرف وعِزة، وليسوا كبعض النواب الجدد تائهين بين الواقع وما يتمنون. بعض هؤلاء بلا طعم وبلا لون، وغيرهم كيهوذا، باعوا المسيح بـ30 من فضة، وبعضهم الآخر، وهم الأسوأ، جعلوا من الباطل دستورهم، ومن أفعالهم الامتداد لمشروع “إلهي”، لا ناقة لنا فيه ولا جمل.
هناك شعور بالإحباط لدى كثر من اللبنانيين، وضعف ثقة أمام غياب القدرة على تغيير الوضع القائم، كما شعور مزمن بأن السلاح غير الشرعي هو صاحب القرار… هذه السوداية تخالف الواقع الذي يجب النظر إليه بواقعية.
لا التقارب الإقليمي، ولا فرنسا أو الولايات المتحدة، ولا حتى الـ100 الف مقاتل استطاعوا فرض مرشح حزب الله لرئاسة الجمهورية، إنما كتلة القوات اللبنانية ومن يشبهها من شخصيات وقوى سياسية في البرلمان كانوا من وقف سداً منيعاً في وجه المشروع الإيراني.
اثبتوا وثقوا، وإياكم الوقوع في فخ الإحباط وقلة الحيلة إزاء العقبات التي تحول دون النهوض من الأزمات المتعاقبة. تذكروا دائماً أن القرار بيدكم، فكما تقترعون في الصناديق يولّى عليكم.
قال رأس الكنيسة يوحنا بولس الثاني يوماً: “لا تستسلموا لليأس! نحن شعب الفصح، وهللويا هي أنشودتنا”. لا حق يموت ووراءه مطالب من بشير إلى سمير. وما حماه الله بكلمة، لا تقوى عليه جحافل جهنم.
هنا كنّا، وهنا سنبقى… لبناننا آتٍ آتٍ آتٍ ولو بعد حين.
ألسي الخوري ـ رئيسة دائرة الإعلام والتواصل في جهاز التنشئة السياسية