
تستعدّ بيروت لعودة الموفد الفرنسي جان إيف لو دريان في 17 تموز، كحد أقصى، وسط انكفاءٍ نافرٍ أقرب إلى “الانطفاء” لأي ديناميةٍ داخلية تتصل بالأزمة الرئاسية، في مقابل استعار الصراع حول كيفية ملء شواغر تتمدّد في جسم مؤسساتٍ تتحلّل ومرشّحة لمزيد من دومينو التفريغ وتصريف الأعمال.
وكما جاء قرار تعيين لو دريان، موفداً شخصياً للرئيس ايمانويل ماكرون، مكلفاً متابعة المأزق الرئاسي ومحاولة إيجاد “حل توافقي وفعال” له، مفاجئاً للوسط السياسي اللبناني كونه أتى قبل أيامٍ من جلسة المواجهة الرئاسية في البرلمان (14 حزيران) بين المرشحيْن سليمان فرنجية (مدعوم من فريق الممانعة) وجهاد أزعور (رشّحه تَقاطُع غالبية المعارضة والتيار الوطني الحر) وأعطى إشارة سماحٍ بأن لا تؤتي ثمارها وأن يتم تطيير دورتها الثانية وما فوق، فإن الجولة الثانية من مَهمة الوزير السابق للخارجية الفرنسية ستكون أيضاً على وهج تطور مباغِت لا يقلّد دلالةً شكّله تعيين لو دريان في منصب رئيس الوكالة الفرنسية لتطوير العلا السعودية.
وإذ يُنتظر أن يتسلّم لو دريان مهمته الجديدة في أيلول المقبل، فإن ثمة تقديرات بأن هذا المنصب لن يمْنعه من متابعة الملف اللبناني فيكون حامِلاً “قبّعتيْن” ويستفيد من وجوده في المملكة للمضيّ في “دبلوماسية التذكير” بموقف باريس الذي يسعى لانخراطٍ أكبر من الرياض في الواقع اللبناني، في مقابل اعتبار دوائر متابعة أن هذا التعيين “نَفَّس” مهمة الموفد الشخصي لماكرون التي تكاتفت عليها أصلاً التعقيدات الداخلية، وأعطى انطباعاً بأنها دخلت “مرحلةً انتقالية” وباتت ذات طابع موقت.
وفي حين بدا من الصعب الجزم بما إذا كان ماكرون سيعيّن بديلاً من لو دريان يوكل إليه الملف الرئاسي أم أنه سيُبْقيه على الخط اللبناني، فإن الأكيد وفق هذه الدوائر أن مهمة وزير الخارجية السابق في السعودية، والتي ستضعه على تماس مباشر مع ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان (الذي يواكب أعمال تطوير العلا) ستأخذ الكثير من وقته وطاقته، حتى أنه سيتعيّن عليه بدء التحضير لتسلُّم منصبه والإحاطة الكاملة بكل الملفات التي تندرج في سياقه، وهو ما من شأنه أن يشجّع أكثر الأطراف اللبنانيين على الالتفاف على أي مبادراتٍ يحملها، لاقتناعهم بعدم جدوى تسليفِ لو دريان الراحل عن الشأن اللبناني أو الذي قد يواكبه عن بُعد أي تراجعاتٍ لم يكونوا أساساً في واردها.
وفيما لم يُحسم إذا كان لو دريان سيعرّج قبل محطته اللبنانية الثانية على الرياض والدوحة، ولا إذا كانت مجموعة الخمس حول لبنان (تضم الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية ومصر وقطر) ستعقد اجتماعاً لها هذا الأسبوع، فإن أقصى ما قد يحمله الموفد الفرنسي، بحسب أوساط سياسية، هو طرْح الحوارِ لمحاولة كسْر الانسداد الذي عبّر عن نفسه في جلسة 14 حزيران التي طوت عملياً النسخة الأولى من المبادرة الفرنسية التي قامت على مقايضةٍ بين فرنجية للرئاسة ونواف سلام لرئاسة الحكومة، وهو الحوار الذي تحفّظت عنه أطراف وازنة في المعارضة مبدية الخشية من أن يتحوّل “كميناً” لدستور الطائف انطلاقاً من جعل الأزمة الرئاسية مدخلاً لبحث مسألة النظام السياسي وتوازناته.