
كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1742
محمد صلاح ليس سليمان خاطر
غيمة صيف عابرة بين مصر وإسرائيل
على رغم الحادث الأمني الذي وقع فجر الثالث من حزيران الماضي، لا تزال الحدود المصرية – الإسرائيلية الأكثر هدوءًا في الشرق الأوسط. في تلك الليلة، اخترق رجل أمن مصري مدججاً بالسلاح الحدود، وقتل ثلاثة جنود في اشتباكات متفرقة، واضعاً العلاقة الطويلة والمسالمة بين القاهرة وتل أبيب تحت اختبار مهم، ومذكراً الإسرائيليين بـ”عملية سليمان خاطر”.
بعض الإعلام العربي وصف رجل الأمن محمد صلاح (23 سنة) بـ”البطل الذي سار على طريق سليمان خاطر”، فيما رأى آخرون في تصرفه تهوّرًا غير محسوب أدى الى وفاته وعرّض العلاقات المصرية – الإسرائيلية للاهتزاز. هذه العلاقة التي نادراً ما شابتها أزمة أمنية أو حدودية جدية منذ توقيع اتفاقية السلام بين الدولتين عام 1979.
الثالثة فجراً، اخترق محمد صلاح الحدود الإسرائيلية عبر منفذ للطوارئ داخل السياج الحديدي. هذا السياج الذي يمتد على عشرات الكيلومترات بين الحدود المصرية – الإسرائيلية البالغة 245 كيلومتراً، والتي تتضمن بعض البوابات الحديدية للطوارئ، والمصممة من أجل تأمين سرعة حركة الجيش لمطاردة مهرّبي المخدرات والبشر.
قتَل صلاح جنديان كانا في نقطة حراستهما، ثم اختبأ لبضع ساعات إلى حين مطاردته من حرس الحدود الإسرائيلي، ليعود ويتمكن من قتل إسرائيلي ثالث، ثم يلقى حتفه على يد الفرقة الحدودية. انتهى الحادث الأمني بمقتل أربعة أشخاص، الجندي المصري وثلاثة جنود إسرائيليين وجريحين، واهتزاز للعلاقات الثنائية بين البلدين.
عبر التاريخ لم تهتز العلاقات المصرية ـ الإٍسرائيلية جدياً إلا مرة واحدة منذ التوقيع على اتفاقية كامب دايفيد عام 1979، والتي أدت إلى تطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل بعد انسحاب هذه الأخيرة من شبه جزيرة سيناء، وفتح قناة السويس أمام الملاحة الإسرائيلية، وتقسيم المنطقة الفاصلة بين الدولتين على خطوط أمنية تبيّن حدود وعديد وحرية حركة كل جهة منهما.
ففي العام 1985، قام أحد عناصر قوات الأمن المركزي المصري ويدعى سليمان خاطر بقتل 7 من السياح الإسرائيليين عند نقطة حراسته جنوب سيناء، كما قتل ضابطاً مصرياً وجرح أربعة جنود حاولوا منعه من تنفيذ هذه العملية. في حينها، شهدت العلاقات المصرية – الإسرائيلية توتراً كبيراً وأزمة دبلوماسية، سرعان ما ساهمت الدول الكبرى في رأب الصدع وتفتير الأجواء، فيما انتهى أمر خاطر محكوماً بالأشغال المؤبدة إلى حين وفاته بظروف غامضة عام 1986.
الجدير ذكره، أن بعض العمليات الأمنية راجت في شبه جزيرة سيناء في فترة تولّي الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي الرئاسة، حيث عمد بعض الأفراد إلى تنفيذ عمليات أمنية تحت غطاء تنظيم “داعش”، لكن سرعان ما قام الجيش المصري في بداية عهد عبد الفتاح السيسي بحملات أمنية واسعة النطاق أعادت الأمن إلى الحدود مع إسرائيل.
هذا وأثبت الحادث الأمني الأخير وجود ثغرات كبيرة في السياج الحدودي الإسرائيلي، حيث استطاع رجل واحد خرق الحدود من دون أن ينتبه إليه أحد، وقيامه بعملية أمنية أودت بحياة جنود. حصل ذلك على رغم استخدام إسرائيل لأحدث التقنيات في مجال الحماية الأمنية، سواء من ناحية المراقبة أم من ناحية تشعّب شبكة السياج الحديدية أم من ناحية إدخال المراقبة الجوية المكثفة في العمليات الحدودية الروتينية. الأمر الذي دفع بقيادة الجيش الإسرائيلي كما وزارة الدفاع الى فتح تحقيق حول “غياب حال التأهب على الحدود وفحص الترتيبات الأمنية المتعلقة بمختلف البوابات الصغيرة في السياج”.
وبعَيد الحادث جرى تواصل مباشر بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وضعا فيه الحادث في إطار العمل الفردي، وتعهدا العمل سوياً من أجل كشف ملابسات الحادث كما “عزم البلدان على استمرار العمل والتنسيق في سياق العلاقات الثنائية”.
مرت غيمة الصيف على العلاقات الثنائية من دون ضرر دبلوماسي يُذكر، ومن دون الحاجة إلى تدخل الدول الكبرى لإعادة وصل ما انقطع كما جرى عام 1985 بعد “عملية سليمان خاطر”. فيما راح الإعلام المصري يؤكد على محدودية العملية وغياب الخلفية السياسية أو الإيديولوجية لها، في حين ركز الإعلام الإسرائيلي على عمق العلاقات بين البلدين، وميل القيادة المصرية للاستمرار في سياسة حسن الجوار، ودخولها الدائم كوسيط عند وقوع أزمات جدية بين إسرائيل وحركة “حماس” القابضة على السلطة في قطاع غزة.
هذا ويؤكد الطرفان على “حسن العلاقات بينهما”، فيما يذكر المحلل السياسي المصري، أشرف أبو الهول، أن الحادث الأخير “عابر وفردي”، مستبعداً وجود مشكلة أمنية بين البلدين، واصفاً العلاقات بين مصر وإسرائيل بـ”المستقرة”. في حين رأت طائفة واسعة من المحللين والصحافيين الإسرائيليين ضرورة إجراء تحقيقات جدية تؤدي إلى تحسين الحماية الأمنية على الحدود لـ”منع تكرار هذه الحوادث العابرة”.
وتشكو إسرائيل منذ فترة من ترهّل الحماية الأمنية البرية على حدودها، فكل بضعة أسابيع تطفو أخبار عن خرق ما على الحدود السورية أو اللبنانية أو الأردنية أو الفلسطينية، وذلك بشكل شبه متكرر. فإن كانت الجيوش العربية لا تجرؤ البتة على الإقدام على أي عمل عسكري ضد إسرائيل الفائقة القوة، تبرز في الأعوام الأخيرة كثافة الأحداث الأمنية الفردية التي غالباً ما تكون عرضية وينتهي أثرها عند مقتل من يحاول التسلّل إلى الأراضي الإسرائيلية. إلا ان تكرار هذه الأحداث لا يشي بجرأة عربية مفقودة فقط، إنما بتهوّر قاتل لا يفيد بشيء، كما بترهّل الحماية الحدودية الإسرائيلية. هذا الترهّل الذي لا يعرف حتى الجيش الإسرائيلي أسبابه، نظراً لتشعّب الحدود الجغرافية وكثرة عدد الفاعلين في حمايتها، وتعدد الأجهزة الأمنية والأنظمة المستخدمة، بشكل يجعل من التحقيق حول الترتيبات الأمنية المتعلّقة بالحدود أولوية إسرائيلية تقترب من أن توازي أولويتها في حماية أمنها القومي.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]